العيش والملح

خديجة حمودة

خديجة حمودة

كاتب صحفي

بعيداً عن أسعار الخبز المدعم وغير المدعم ووزنه ولونه ودرجة نقاء الطحين المستخدم فى صنعه، وربما بلد المنشأ أيضاً والأزمة العالمية التى تسببت فيها الحرب الروسية الأوكرانية، وهما الدولتان اللتان يمكن وصفهما بأنهما سلة الطحين العالمى، والخبز السياحى والفرنسى الذى اشتهرت به المخابز العالمية والفنادق وتقديمه للزبائن بإضافات متنوعة ومختلفة ودرجة حرارة طهيه والخمائر المستخدمة فى صنعه وساعات التخمير وطرق الحفظ والأشكال النهائية له، والآخر الذى يقوم بإعداده مسلمو الصين ويضيفون إليه الأطعمة والتوابل المبهجة فى مقاطعة الشنجان، وما تعده نساؤنا فى القرى، حيث تفخر كل محافظة مصرية أن لها نوعاً خاصاً منه لا تتقنه إلا أمهاتها وتضيف له من أشيائها الخاصة من مطبخها ما يمنحه الخصوصية والتفرد والطعم اللذيذ، وحتى لا ننسى العيش الشمسى جميل المذاق والمجهد فى إعداده وتجهيزاته فإن للعيش تاريخاً طويلاً عرفته الإنسانية منذ قديم الزمان وله قصص وأمثال شعبية وتشبيهات رائعة، وقد اعتاد العرب أن يطلقوا كلمة «عيش» على الغذاء الرئيسى لأهلهم حتى لو كان نوعاً آخر كالأرز مثلاً فى دولة الكويت.

ومن أجمل ما تحمل تلك الحروف من معانٍ أنها تدل على الإخلاص والحب فى العلاقات الإنسانية ولعل كلمة (خاين العيش) التى تطلق على من يخون من الأصدقاء أو لا يحفظ العهد هى أكبر دليل على ما يحمله المصريون للعيش من احترام وتقدير.

وقد تغنى الشعراء بهذه المقولة فى عدة أغانٍ مشهورة فمنها (والعيش والملح وعشرتنا) التى تعتبر قَسماً مقدساً لدينا.

وفى نفس السياق المعبر عن الحب والإخلاص والعشرة الجميلة التى يصبح لها حقوق وقوانين يجب ألا تخترق أو يتناساها الأشخاص فى علاقاتهم الإنسانية والعائلية والزوجية تقوم نساء العائلة بالالتفاف حول العروس أثناء عقد القران ويضعوا بين يديها رغيفاً من الخبز وفوقه بعض الملح وتقرأ لها الأم آيات من القرآن الكريم تفاؤلاً بدخولها حياة جديدة وكوعد منها بأن تحفظ قدسية العيش والملح.

وبالإضافة لذلك فإنه من الأعراف عند العرب بعد فض الخلافات وحل النزاعات بين الناس إقامة موائد الطعام دلالة على حسن النوايا وصفاء النفوس وانتهاء الخلاف.

كما اعتبر الخبز قديماً جزءاً لا يتجزأ من أى طقوس وطنية أو دينية كمقابلة الضيوف والزفاف أو التعميد فى الكنائس. ولعل الشكل الأكثر شيوعاً للخبز (المستدير) هو الرمز الحقيقى والأقرب للكرة الأرضية أو الشمس وكل منهما تعنى لنا الحياة.. وفى العادات والتقاليد هناك أهمية واعتبار ورمز عظيم للعيش والملح ففى التراث الفلسطينى يقولون (عمارة البيت خبز وزيت) أى إن البيوت تكون عامرة وتدب فيها الحياة بوجود الخبز والزيت.

وفى التراث المصرى القديم والقرى اعتادت المرأة أن تتوضأ قبل العجين وأن تتلو الشهادتين على الدقيق فيما يسمى (المشاهدة) لأن العجين عنوان للطهر والنقاء.

ومن طرائف النساء فى التراث المصرى أن السيدة الغيور (دمها حامى) يتخمر عجينها بسرعة حيث تنتقل سخونتها له، وعكسها تماماً المرأة ذات الدم البارد طويلة البال فعجينها يتخمر ببطء. أما المرأة المخلصة فإنها تحب عجينها وترش وجهه بالدقيق لتستره وتهدهده بأغانٍ حميمية فتقول أثناء العمل (سترتك بالدقيق يكفينا شر الضيق تسترنى مثل ما سترتك تسترنى فى كل طريق)، ولا تجلس المرأة أمام الفرن غاضبة أو حزينة ولا نمامة لتحفظ نفسها وخبزها من أذى (ملك الفرن)، لأنه إذا غضب أحرق الخبز وبدد تعبها.

ومن أجمل الوقائع التى لعب فيها العيش دور البطولة القومية والاجتماعية ما حدث فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أثناء جولة له بالقطار فى الصعيد، وكان يتوقف فى المحطات لمصافحة أهل القرى الذين جاءوا لرؤيته، فعندما توقف بالقطار قبل أسوان رأى أحد أهلها يحاول الوصول لمصافحته والحديث معه إلا أنه فشل وعندما تحرك القطار ألقى الرجل بمنديله المحلاوى الذى اعتادوا الاحتفاظ به وأخذه للعمل إلى الرئيس الذى فتحه ووجد فيه وجبة الرجل المكونة من (رغيف من خبز البتاو وبصلة)، ففهم الرسالة وقال له بصوت عالٍ ليسمعه أثناء حركة القطار (الرسالة وصلت يابويا)، وبمجرد وصوله لأسوان أصدر قانون عمال التراحيل ورفع الحد الأدنى والأقصى للأجور، وفى خطابه أمام جماهير أسوان قال (أحب أقول إن الرسالة وصلتنى وإننا قررنا زيادة أجر عمال التراحيل) كما تقرر تطبيق نظام التأمين الاجتماعى والصحى عليهم لأول مرة فى مصر. وهكذا كان العيش هو البطل فى هذه الواقعة وسيظل دائماً له كل الحب والاحترام.