الموازنة الجديدة والتحديات الكبيرة
يأتى الاستحقاق الدستورى بإعداد الموازنة العامة للدولة ٢٠٢٤/٢٠٢٣ هذا العام فى وسط أجواء عالمية ملبدة بالغيوم ويغلب عليها عدم اليقين بما يزيد من صعوبة وضع السياسات المالية والاقتصادية والنقدية ليس فى مصر فقط ولكن فى كافة بلدان العالم كبيرها وصغيرها، وإن اختلف وقع الأزمات على كل منها حسب قوة بنيان كل اقتصاد وقدرته على مواجهة الضغوط والأزمات.
وفى قراءة سريعة لموازنة العام المالى القادم ومع الأخذ فى الاعتبار أنه تم ضخ اعتماد إضافى صدر به قانون من مجلس النواب هذا الشهر وقيمته ١٦٥ مليار جنيه للموازنة الحالية موزعة كالتالى:
١٠ مليارات باب أول (الأجور والتعويضات للعاملين).
٨٥ ملياراً باب ثالث (الفوائد).
٧٠ ملياراً باب رابع (الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية).
فبالنسبة للمصروفات فإنه وفقاً لتقديرات العام المالى المقبل تصل إلى ما يقرب من ٣ تريليونات جنيه بمعدل نمو سنوى ٤٤٫٤٪، بينما يبلغ إجمالى الإيرادات المقدرة ٢٫١ تريليون تستحوذ الضرائب منها على إيرادات متوقعة ١٫٥٢ مليار جنيه.
وتبلغ قيمة العجز الكلى ٨٢٤ مليار جنيه تقريباً، وإذا كنا نبحث عن طرق مختلفة بخلاف الديون لسداد العجز الكلى فعلينا أن نفكر فى زيادة الإيرادات الضريبية التى توقعت لها الموازنة أن تكون نسبة زيادتها ٣١٪، وذلك من خلال توسيع القاعدة الضريبية وتسجيل ممولين جدد.
أيضاً علينا أن نتخذ خطوات جادة فى بيع الأصول والتوسع فى زيادة ملكية القطاع الخاص وأن تكون الدولة منظماً يضع القوانين والتشريعات اللازمة التى تساهم فى زيادة الاستثمارات.
وفى محاولة من الدولة لزيادة التشغيل ودعم المواطن ارتفعت المخصصات المالية للاستثمارات العامة لتسجل ٥٨٦٫٧ مليار جنيه مقابل ٣٧٦ مليار جنيه بمعدل نمو سنوى ٥٥٫٩٪ وتلك خطوة محمودة فى ظل تراجع الاستثمارات.
ووفقاً لتقديرات مشروع الموازنة الجديدة، ارتفعت مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية إلى ٥٢٩٫٧ مليار جنيه، ١٢٧٫٧ مليار جنيه لدعم السلع التموينية بمعدل نمو سنوى ٤١٫٩٪ و١١٩٫٤ مليار جنيه لدعم المواد البترولية و٦ مليارات جنيه للتأمين الصحى والأدوية بزيادة ٥٨٫٢٪ عن العام المالى الحالى، و١٠٫٢ مليار جنيه لدعم الإسكان «محدودى الدخل والإسكان الاجتماعى» بمعدل نمو سنوى ٣١٫٥٪، و٣١ مليار جنيه لمعاش الضمان الاجتماعى بمعدل نمو سنوى ٢٥٪، و٢٠٢ مليار جنيه مساهمات صناديق المعاشات بمعدل نمو سنوى ٦٪، بما يضمن توفير السيولة المالية اللازمة لخدمة أصحاب المعاشات والمستحقين عنهم والمؤمّن عليهم والوفاء بكامل الالتزامات تجاههم، وأكثر من ٨ مليارات جنيه لعلاج المواطنين على نفقة الدولة بمعدل نمو سنوى ١٤٫٣٪، مشيراً إلى أن موازنة العام المالى المقبل تتضمن أيضاً تخصيص ٤٧٠ مليار جنيه للأجور.
وهنا لن أخوض كثيراً فى المؤثرات الخارجية التى أدت بنا إلى ذلك والتى أصبحت واضحة للجميع من حيث النتائج السلبية على مصر جرّاء رفع الفائدة غير المسبوق على الدولار من قبَل البنك الفيدرالى الأمريكى ليصل إلى ٥٪، ليمتص كافة الاستثمارات الدولارية من الدول الناشئة مثل مصر وكذلك التأثير المباشر وغير المباشر للحرب الروسية الأوكرانية وانسحاب ما يزيد على ٢٠ مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية فى مصر وتراجع برامج الدعم المباشر والاستثمار العربى فى مصر.
وأريد هنا أن أركز على محورين أساسيين وهما التشخيص ثم العلاج.
وفى رأيى أننا يجب ألا نُغرق أنفسنا فى اعتقاد أن الأعراض هى المرض وأقصد هنا بالأعراض انخفاض قيمة الجنيه المصرى مقارنة بالدولار أو التضخم وارتفاع الأسعار أو حتى تنامى حجم القروض الخارجية، فكل تلك الأعراض كان من الممكن التغلب عليها لو كان لدينا ميزان تجارى قوى تغلب فيه صادراتنا وارداتنا ويزيد فيه إنتاجنا القابل للتصدير عن استهلاكنا وحاجاتنا.
صحيح أننا شهدنا طفرة فى عوائد التصدير حتى بلغت حوالى ٥٣ مليار دولار ولكن هى طفرة نسبية عن أرقام سابقة شديدة التواضع، وذلك لأن الدولة «للأسف مسبقاً» لم يكن لديها فى الواقع البنية التحتية التى تؤسس لانطلاق عملية الإنتاج فلم يكن لديها مصادر طاقة من كهرباء وغاز ولا موانئ بحرية تصلح لحركة تجارة حقيقية ولا شبكة طرق لنقل المنتجات ولا قاعدة صناعية منتجة بعد أن تم تصفية معظمها خلال العقود الماضية لتزدهر بدلاً منها شركات الاستيراد وإغراق البلاد بمنتجات الدول الأخرى لتحقيق منافع ضيقة لفئة محدودة من رجال الأعمال وساعدها فى ذلك تثبيت قيمة العملة والذى كان وبالاً على الإنتاج الوطنى.
المحور الثانى هنا هو اقتراحات العلاج ونحن نعترف جميعاً بأننا ندير موازنة أزمة واقتصاد أزمة:
أولاً: يجب استنفار كل قدرات البلاد ومقدّراتها لزيادة تصدير كل ما يمكن تصديره وخاصة المنتجات ذات القيمة المضافة المرتفعة وتشجيع كل منتج له أسواق خارجية على التوسع وزيادة التصدير.
ثانياً: البدء فوراً فى ما سبقتنا إليه دول المنطقة من تسجيل ثروتنا العقارية القابلة للتصدير على تطبيق إلكترونى يحمل قاعدة بيانات واضحة يسهل من خلالها شراء العقار وتسجيله وسداد ثمنه فى زمن قياسى وبضمان كامل من الدولة للمشترى.
ثالثاً: الإسراع فى برامج طرح أسهم الشركات والأصول المملوكة للدولة بشكل احترافى وذلك لمئات الشركات وليس فقط لثلاثين منها وبما يدر عوائد ضخمة يتم إعادة تدويرها فى بناء مزيد من المشاريع بغرض إعادة البيع مرة أخرى، وهكذا بما يكفل سرعة إنجاز المشاريع فى إطار خطة استراتيجية لما تحتاجه مصر من مشاريع قد يتردد القطاع الخاص فى اتخاذ الخطوة الأولى فى إنشائها والاستثمار فيها.
رابعاً: حسن إدارة الثروة البشرية وتعظيم الاستفادة من مخرجاتها بتأهيل من يصلح منهم للتصدير بالعمل فى الخارج سواء بالسفر أو بالتوسع فى خدمات التعهيد، وذلك لتعظيم تحويلات المصريين بالخارج، وليكن هدفاً لنا الوصول إلى ١٠٠ مليار دولار إيرادات من تحويلات المصريين وإعطاء حوافز للشرائح الأكثر تحويلاً للنقد الأجنبى منهم.
خامساً: استحداث آليات مميكنة لزيادة كفاءة التحصيل الضريبى ومنع التهرب وضم كافة عناصر الاقتصاد الموازى وفاعلية تطبيق الضريبة العقارية باستخدام قواعد بيانات شركات المرافق وربطها بالرقم القومى وإلزام كافة الشركات والكيانات الاقتصادية بالإفصاح عن حساباتها البنكية لمطابقتها بالإقرارات الضريبية.
سادساً: إحداث نهضة سياحية شاملة بسرعة افتتاح المتحف الكبير واستكمال شبكات المواصلات العامة الحضارية وتحفيز إنشاء الفنادق والغرف السياحية وفتح المجال للاستثمار فى شركات الطيران الاقتصادى وفتح كافة المطارات لها وذلك لمضاعفة الدخل السياحى من العملات الأجنبية.
كل ذلك وأكثر هو ما سيحل مشكلات الموازنة وعجزها ويكبح جماح التضخم بزيادة الإنتاج والتصدير وليس فقط برفع الفائدة البنكية وطرح الشهادات البنكية عالية الفائدة وهى مسكنات لا تعالج أصل الداء، بل وربما تؤدى بنا إلى ركود اقتصادى لا نستطيع تحمل نتائجه من زيادة البطالة وتوقف عجلة الإنتاج على المدى المتوسط والبعيد.
من تلك الصورة المصغرة للمشهد الإجمالى للموازنة العامة للدولة يمكننا القول إن مصر تواجه الأزمة بكل قدراتها وتساند محدودى الدخل وتوسع مظلة الحماية الاجتماعية ومستمرة فى البرنامج الأكبر لتحسين حياة القرى المصرية «حياة كريمة» ويمكننا أن نتجاوز هذه الأزمة بحلول مبتكرة ومختلفة وسرعة تنفيذها بما يليق بمكانة مصر.
* وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب