السيرة أطول من العمر يا «كردوسي»
فتشتُ كثيراً لأكتب فى يوم «الوطن».. فى ميلادها.. عن تجربة بدأت فى أبريل ٢٠١٢
«الوطن» التى رصدت ووثّقت وانتشرت وكبرت وقادت وقالت كلمتها.. ولم تزل تقول.. هنا ونحن نحتفى.. كانت سيرته حاضرة وثابتة وباقية.. سيرة الكاتب الكبير محمود الكردوسى الذى لا يغيب.. بصماته هنا.. فى الجراج حيث كان يدخل بسيارته.. بـ«طلته» ومزاجه الصافى مع الجميع.. بـ«الإيفيه» الذى يلقيه على «مقاس» مَن يلتقيه فى وجهه.. بـ«كتاباته» وكلماته الساحرة وقلمه النادر.. بـ«العناوين» التى كانت تنتزع منك صرخات مشجع.. يقف فى مدرج بملعب كرة قدم به مباراة مثيرة.
«الكردوسى» كان حالة فريدة فى كل شىء.. هو الموهوب.. وهو الكسول.. الذى تظل روايته معلقة فى دار نشر سنة واثنتين لأنه لم يوقع على عقد مع صاحب الدار.. هو خفيف الظل.. والذى لا يعكر مزاجه شىء مهما حدث.. هو الناصح الأمين.. والطيب.. هو صاحب قلب طفل دون العاشرة.. هو الخجول رغم قسوة «قلمه» رغم هجومه على البعض فى كتاباته دون توقف.. تراه خجولاً.. ربما أخذ الخجل وراثة.. وربما «رباية زيادة» من والده الذى عشقه «الكردوسى» ولم يتوقف عن الحكى عنه.. يحكى عنه كأنه يراه.. مرة عن الثانوية العامة.. ومرة عن موقفه من دخول ابنه كلية الإعلام.. ومرات عن «دكانه» فى قلب قريتهم «المدمر».. شمال محافظة سوهاج.. يحكى عن أمه وعن عشقه لها وهذا العشق تجده محفوراً ومرسوماً على الوجوه فى الحكى.. عن أشقائه.. عن المقهى الذى كان يبعد كيلومترات عن منزلهم.. والذى يذهب إليه ليتابع مباريات كرة القدم وتحديداً لاعبه المفضل «الخطيب».. وذلك رغم زملكاويته الشديدة.
كل واحد منا فى «الوطن».. له مع «الكردوسى» حكايات ومواقف.. هنا مكتبه فى السابع الذى كان «قِبلة» الباحثين عن عنوان حلو.. أو ضحكة حلوة.. أو الراغبين فى حكاية «تظبط لهم اليوم».
سيظل «الكردوسى» واحداً من الأساتذة.. واحداً من ريحة أيامنا الحلوة فى المهنة.. سيرته ستظل لأنها باقية وحاضرة وستظل طويلاً.. «الكردوسى» حالة نادرة فى صحيفتنا.. يزداد عددنا ويقل.. يترك بعضنا المكان ويرحل عنه.. ويبقى البعض.. يرحل البعض.. ويبقى «الكردوسى» هو «الكردوسى».. هو حبيب الكل.. هو الذى «يشخّص» البشر حوله.. ويقول عن هذا ما يستحق.. ويصف ذلك بما هو أهل له.. وبعد شهور من رحيله تتأكد أن «الوصف» على «المقاس».. ومستحق.. ويليق بـ«الموصوف».
.. فى يوم «الوطن» نذكرك يا «كردوسى».. لم تغب.. حضورك مستمر رغم الغياب.. نظرة «عينيك» فى عقولنا باقية.. حتى «خطك الحلو» وأنت توقّع على الأوراق ما زال مرسوماً فى ذاكرتنا.. طلتك ومشيتك ووقوفك ما زالت محفورة فى قلوبنا.. وصوتك وأنت تنادى على كل واحد منا وأنت تتجول فى المكان ما زال «باقياً».
فتشت لأكتب عن وجوه الشخصية المصرية.. فوجدتك أمامى.. فتشت لأكتب عن صفات المصرى الحلوة.. شاهدتك..
ولِمَ لا أجدك رغم الرحيل؟.. فـ«سيرتك» هنا.. وهى أطول من العمر.. باقية مهما طالت سنوات الرحيل.. باقية مثل بقاء حبك لـ«عبدالناصر».. مثل عشقك لـ«منير».. وغرامك بـ«الأبنودى وأمل دنقل».. باقية لأنك وحشتنا.. وبتوحشنا.