سمر عبدالرحمن تكتب: «30 يوما في مهمة روحانية.. هل تعافى القلب؟»

نحو 30 يوما قضيتها خارج حدود الوطن، لم تكن هذه المرة رحلة عمل أو تدريب كما اعتدت، لكنها كانت مهمة روحانية، تلبية لنداء الله، ربما أراد أن يشفي عليل قلبي، أو ربما هي استجابة لدعوة دعوتها يوما ما، فهل تعافى القلب؟

لأول مرة في حياتي أزور بيت الله الحرام وأقف أمام الكعبة المشرفة، عيناي تذرفان دموعا لم تذرفاها من قبل، وقلبي يبكي فرحا حتى ظن البعض أن البكاء سببه حزن أو كرب، لكن من زار أطهر بقاع الأرض سيعلم جيدا أنك حين ترى الكعبة الشريفة لن تستطيع التحكم في مشاعرك، تبكي من شدة سعادتك، فالمكان له جلاله، ولمس الكعبة له رهبة، تتيقن أنها بوصلة القلب السليم ومُطهرة لكل الذنوب، أمامها تذوب الهموم وتختفي الأحزان، تعود بقلب معافى من العلل، تتملكك الرغبة في بدء حياة جديدة، يغلب عليها التسامح ويكثر فيها العطاء، وتشعر بأنك وُلدت من جديد.

في الحرم الشريف لا فرق بين غني وفقير، أو أبيض ولا أسود، الكل جاء محملا بالهموم، آملًا في العودة إلى وطنه بدونها، الجميع يطوف طامعا في رحمة الله وكرمه، واثقا في جبره وعطائه، متضرعا إليه داعيا متمنيا تحقيق دعواته، فالكعبة المشرفة لا ترد عاشقا يجتمع فيها المسلمون وكأنها أم تحتضن طفلها المولود فرحة بقدومه.

حين ترى الكعبة لأول مرة تنبهر من جمالها، تشعر أنها ملجأً لكل خائف، وقٍبلة الأرواح، عندها تنسى أهلك، وطنك، عملك، همومك، تنسى نفسك، حتى أنك لا تشعر بحرارة الجو المرتفعة، تركز فقط مع الله وفي صلاتك ودعواتك، لا تشعر بالوقت وإن قضيت اليوم بأكمله وأنت تطوف وتتضرع إلى الله بقلب مطمئن ومنشرح، لا يعرف الحقد طريقا له، ولا يحمل ذرة كره أو خبث أو أذى لأحد، تشعر أن قلبك سليم معافى، طاهر لا يعكر صفوه كذبا أو نفاقا، تستعيد نفسك وكأنك تعرفها لأول مرة.

عندما تطأ قدماك المسجد الحرام، تشعر وكأنهما ترتجفان، إليه شد الجميع الرحال، لبوا نداء الله، عاشوا رحلة روحانية مليئة بالذكر والاستغفار، فيه تميل القلوب وتخشع لذكر الله، هناك الكل في حضرة الله آمن، لا خوف ولا كذب ولا خضوع، تشعر يقينا أن الله سبحانه وتعالى يحبك فمنحك فرصة اللقاء والاستغفار ورؤية الكعبة المشرفة وشرب ماء زمزم والسعي بين الصفا والمروة، كأنه اختصك ليطهرك ويعافي قلبك المتعب، ويستجيب لدعواتك التي ربما دعوت بها كثيرا، أما المدينة فلا أروع ولا أهدى منها، إليها تتجه الأرواح، تتشوق للصلاة في المسجد النبوي وإلى زيارة الروضة الشريفة، تشعر بالطمأنينة وأنت في حضرة رسول الله.

رحلتي إلى مكة المكرمة سارت بسهولة ويسر، أديت مناسك العمرة أكثر من مرة، استجاب الله سبحانه وتعالى لدعوة دعوتها بقلب صادق ونية صافية، استشعرت فيها معنى قوله تعالى «ومن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ»، نعم حين تحسن الظن بالله وتتيقن ويطمئن قلبك لأقداره سيرزقك وسيبهرك بكرمه وعطائه، توفيقه كان حاضرا ورحمته التي وسعت كل شيء غمرتني بعد أن عشت سنوات عجاف على كل المستويات خاصة بعد وفاة والدي الحبيب، لحظة رؤية ولمس الكعبة المشرفة جعلتني أستشعر طبطبة الله، وكأنه يخبرني بأن القادم سيكون أفضل، بعد سنوات كثيرة من الصبر، بشرني بالفرج، عدت من هناك بقلب سليم معافى، لا يحمل كرها لأحد، ولا رغبة في الزعل من أحد، سامحت وتمنيت السماح من الجميع، فالمهمة الروحانية جددت الشغف نحو العبادة وفعل الخير والتسامح.

أتمنى من الله عودة قريبة تروي ظمأ قلبي مرة أخرى، وأدعوه بقلب صادق أن يكتب زيارة بيته الحرام لكل مشتاق، وأن يمن على كل مسلم بالراحة وهدوء السرائر.. وأن يكفر عنا سيئاتنا ويغفر ذنوبنا.. اللهم عودة قريبة.