مرسي المبارك «الصامت الهزاز» (١)

آن أوان الجلوس فى مقعد الشاهد، لا تندهش عزيزى، فلدىَّ الكثير أشهد عليه، تجربة حياتية ليست طويلة، لكنها عميقة، كونى من أبناء «الجيل الذهبى»، هكذا لقبوه، مواليد 1980، العام الذى شاخ أصحابه قبل أن ينالهم الشيب، الجيل الذى دفع أثماناً لكل شىء، الجيل الذى هَرِم وهو يسعى، وحين وصل إلى الرجم، ليتم حجته، وجد نفسه فى مقعد الشيطان، وحوله الملايين يرجمونه فى طقس إيمانى روحانى، بينما صراخه لا يغادر حنجرته «كفاية.. حرااااااااااااااااااااام».

30 عاماً قضيتها فى كنفه، هو كل شىء، فى كل مكان، يكاد الطفل يولد معتقداً أنه الرب، وفى أحيان أخرى أنه الأب، وكلما زاد الإدراك زاد الوعى، الرب فى السماء، والأب فى البطاقة، أما «مبارك» فهو الرب لدى بعضهم، والأب الاعتبارى لدى آخرين.. سرنا وسار الملايين على الدرب، «أباً» «ربّاً» لا فارق، طالما أن الأمر اعتبارى وطالما أن الحياة تسير بعلاّتها، نصحو على ما متنا عليه، كل يوم هو فى شأن، لكننا نحن فى الشأن نفسه، لا نغير لا نتغير لا نضيف لا ننقص.. 30 عاماً منذ صرخة الميلاد وحتى كل الصرخات التى تبعتها على وضع واحد «صامت هزاز»

داخل أحد أحياء القاهرة الأصلية، الشهيرة بأنها مسيسة، تتنفس السياسة ويتحدث فيها المثقف والجاهل على السواء، يجلس أحدهم على مقهى بفانلة مهلهلة يضاهى مرتدى رباطة العنق فى تحليل المشهد السياسى، دون أن يملك فى جيبه ثمن جلسة المقهى، داخل هذا الحى عشت سنوات نضالى، خلفى صوت أبى لا يغادرنى «ليس المرء من قال هذا أبى، المرء من قال ها أنا ذا»، ظل هذا الصوت معى كمسكّن، نتعلم ما يسمونه تعليماً فى المدرسة والجامعة، نتلقى المتاح ونحاول أن نضخّمه حتى نصل به إلى المأمول، يقف جميعنا فخورين بأننا جامعيون، والحقيقة أنه بيننا وبين الوعى مساحات فراغ لا يملأها إلا من امتلك قدرات خاصة.. نجح من خاض حربه وفى خاطره حلم وفى يديه شهادة وفى راحة اليد الثانية مهارة، دون الثلاثة ذهب ملايين فى الوبا، من اكتفوا بالشهادة فحلّت حائط مبكى لهم ولأسرهم.. فنشأ وترعرع فى وادينا مفهوم جديد للشهادة الجامعية، لا يشترط لحاملها أن يكون عاقلاً واعياً، يكفى أن يكون «حاملاً» ولو لـ«الأسفار».

سنوات طوال بلا منظومة أو نظام، من يدرك فبذراعه، ومن يفشل فلنفسه وبنفسه، مجتمع يدير مجتمعاً، لا يتقابلان ولو فى نهاية طريق ولا يتقاطعان ولو فى منتصف الطريق، كلٌ يسير خلف مصلحته وبأدواته، كلٌ يبرر لنفسه الطريق والسعى، مبارك من فرط ما بقى استقر، ورجاله من فرط ما استقروا أَمِنوا، ومن أَمِن.. أساء. والمصريون من فرط ما قنعوا واعتادوا فرّطوا، فصارت حقوقهم هى أحلامهم، وتدنّت مطالبهم إلى حد المطالبة بتطبيق الدستور دون أن يقرأوه وإقرار «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية» مطالب.

هذا الفراغ ولّد أطماعاً، لدى صنف ثالث، تحمل هوياتهم توصيفاً مصرياً، لكن نواصيهم معقودة فى مكان آخر، خارج الحدود المتعارف عليها، معقودة بمصالح وأوهام عن دولة خلافة، مشروع آخر تلاقت فيه مصالحهم، فصارت هدفا ملأ فراغ المجتمعين، مجتمع مبارك ومجتمع المصريين، فحملوا لواء المطالب المشروعة، هى مشروعة كونها حقاً للإنسان، قبل أن تصبح حلماً للإنسان المصرى، وساروا فى الأرض فساداً، يحملون «حقاً» يريدون به «باطلاً»، نعم، مطالب المصريين حق، ودولة الخلافة باطل.

جاء المرسى مباركاً، لا فارق جوهرى بينهما، كلٌ يسير خلف مصلحته، ولمَ العجب، هل يبحث الإنسان إلا عن مصلحته؟.. ينسى المتسائلون أن ثمة رقعة شاسعة اسمها مصر لها أيضاً مصلحة، من يعمل لها، من يفكر فيها، من يحافظ عليها، من يحميها، وهل يضع الكل مصلحته الضيقة نصب عينيه، وينسى مصلحة أمة كاملة ووطن تقسم إلى مجتمعات وأفراد يبحث كل منهم عن مصلحته فقط؟

لم تفلح سنوات الصامت الهزاز، غادرناها وجيلى إلى وضع أشد قسوة.. الطيران، نحن غير متصلين بالفعل، لم ينتبه أحدنا إلى ما نسير إليه، ظن جيلى أن ثمة غباراً ينقشع، وأن الغيمة إلى زوال، فإذا بالسحابة تمضى وتكشف عما خلفها، إنها تمطر سيولاً، المطر خير لكن السيول حد الإغراق ليست خيراً على الجميع، وقفتُ وملايين فى مواجهة سيول، لم يسمعنا أحد، ظل هتافنا حبيس حناجرنا، يعتقد الجميع أننا فى خير وفى الحقيقة أننا نغرق.

لم تمتد إلينا يد، لم نَرَ الخير الذى يأتى به المطر، رأينا الإهمال 30 عاماً، ثم الحصار حد الاختناق عاماً.. ما الذى يخفيه لنا القدر، إلى متى نظل فى هذه الأوضاع، مفعول به صامت هزاز، وحين تغير وضعه فَقَد القدرة على الاتصال، أسد بلا أنياب وسط غابة من الجياع، كنت وجيلى مواليد 1980 نبحث عن أنيابنا، مَن انتزعها منا، ومتى؟.. مَن وقف حائلاً بيننا وبين الدفاع عن أنفسنا، أيقف الفأر فى وجهى أنا الأسد ويختال بنفسه، أيأتى الحمار محاولاً التهامى وهو آمن.. أىُّ زمن هذا الذى ينتظرنا، أنترك أنفسنا نحن ملوك الغابة لعبيدها، عبيد المصلحة؟

لم أتم شهادتى..

يتبع