خبز الروح
الإيواء إلى الكهف تجربة إيمانية عاشها الكثير من أنبياء الله بطرق وصور مختلفة.مثّلت السفينة، التى آوى إليها «نوح»، معادلاً رمزياً لفكرة الكهف، وكانت بالنسبة لمن معه معبراً للنجاة من كيد المشركين، تماماً مثلما أنجى الكهف الفتية المؤمنين من مشركى مدينة «أفسوس».وحين فر «يونس» من كفر قومه، وسار نحو شاطئ البحر وركب السفينة، مثّل «الحوت» معادلاً موضوعياً للكهف الذى آوى إليه، وظل بداخله فى حالة تشبه حالة أهل الكهف، إذ خمد جسده، وانطلقت روحه فى التسبيح، حتى جاءت لحظة الخروج، ولما خرج وجد أن الموقف الإيمانى لقومه قد اختلف، تماماً مثلما فوجئ أهل الكهف، بعد سنين طويلة من تسبيح الروح وخمود الجسد، أن أهل «أفسوس» قد دخلوا حظيرة الإيمان.أما نبى الله إبراهيم، فقد مثّل البيت الحرام بالنسبة له الكهف الذى آوت إليه روحه، ليظل بعدها كهف الروح بالنسبة لكل حنيف مسلم.وخاض نبى الله يوسف «تجربة الكهف» فى صورة مختلفة، حين قرر صناع القرار فى مصر الفرعونية سجنه: «ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ».. وسياق الآية كما تعلم ارتبط بواقعة مراودة امرأة العزيز لفتاها يوسف، وقد تأكد زوجها «العزيز» من براءة يوسف، لكنه رأى بعد استشارة قومه إدخاله السجن، رغم يقينه ببراءته. استقبل «يوسف» القرار بالتسليم، لأنه فطن إلى أن إرادة الله قضت عليه بذلك، وما «العزيز» إلا سبب قضى الله بأن يقف وراء سجنه. آوى «يوسف» إلى كهف سجنه، وعاش تجربة روحية فريدة، أدى فيها واجبه فى الدفاع عن عقيدة التوحيد. وخرج «يوسف» من السجن وقد صقلته التجربة ليقود عجلة الدنيا والدين.أما «موسى» فقد مثّل قومه كهفه الخاص الذى آوى إليه، فقد تربى بعيداً عنهم فى قصر الفرعون، ولما كبر وشب أدرك انتماءه، وفطن إلى حاجة بنى إسرائيل إليه، هُرع إليهم، واندمج فيهم بشكل كامل، ودافع عنهم، وقاتل من أجلهم، ثم خاض بهم مواجهة كبرى مع فرعون، حتى تمكن من إخراجهم من مصر، بعدها عاش تجربة عميقة فى كهف الإيمان الروحى وهو يتلقى الألواح.والمسيح عليه الصلاة والسلام عاش تجربة كهف رائعة، وذلك فى تجربة الجبل، وصام أربعين يوماً، مثلما فعل موسى، بعدها دخل معه إبليس فى محاورات، أثبتت حالة السمو الروحى والصفاء الإيمانى للمسيح عليه السلام. فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وليس المهم خبز الجسد، بل خبز الروح، وخبز الروح هو الإيمان، ورفض تجربة الرب إلهه، حين دعاه إبليس إلى ذلك، وأقر بالعبادة لله.وفى رسالة خاتم النبيين والمرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم، كان الكهف حاضراً، ففى غار «حراء» عاش النبى تجربة تأمل عميقة فى الحياة والأحياء، وما وصلوا إليه من خروج عن عقيدة التوحيد، تبتل فى صومعته، حتى أتاه الوحى، لينطلق لسانه بعدها بالدعوة إلى الله الواحد الأحد، ومثّل غار ثور محطة فاصلة فى رحلته الإيمانية، حين آوى إليه فراراً من مطاردة المشركين له، وغادر منه إلى يثرب ليؤسس فيها تجربة فريدة لمجتمع التوحيد.