أسبوع آلام الإنترفيرون
- حقنة «الإنترفيرون»
- فيروس «سى»
- التحاليل الطبية
- تحليل الـpcr
- حقنة «الإنترفيرون»
- فيروس «سى»
- التحاليل الطبية
- تحليل الـpcr
- «ربنا يسهل لك طريقك» هكذا ودّعتنى أمى فى صباح أحد أيام 2013، بينما أخطو خارجاً حاملاً الدعوة أسير بها فى رحلةٍ أسبوعيةٍ أخوضها من أجل حقنة «الإنترفيرون» التى كانت السبيل الوحيد لعلاج فيروس «سى» حينها.
(1)
- فى الميكروباص وجوه الناس كانت مكفهرة ترتسم عليها «التكشيرات» بمختلف أنواعها، يتثاءب معظمهم، لا تدرى هل يعملون لدرجة أنهم لا يمتلكون وقتاً للنوم، أم مهمومون لدرجة عدم القدرة على النوم، أم الاثنان معاً؟!
أحدهم يتطلع من النافذة، وإحداهن تشتبك مع السائق من أجل «الباقى»، بينما الشاب العشرينى قليل القسط من التعليم الجالس جوارى يقلب أوراقاً لتحاليل طبية بحزن لحد الغضب، وفجأة يسألنى: «والنبى يا أستاذ ممكن تطلّع لى تحليل الـPCR من الورق ده لو تعرف يعنى»، ابتسمت بمرارة، فهذا الشاب يدور فى نفس دائرة علاج فيروس «سى» التى أدور فيها منذ 6 أشهر، الفيروس اللعين الذى هاجم أمى وجعلها تفقد قوتها التى كنت أراها أسطورية.
«انت بتتعالج من فيروس سى؟!»، سألته بينما أقلب أوراق التحاليل العديدة، فأجاب فى غم شديد: «لسه هبدأ الحقن لما أخلص الإجراءات.. كنت مسافر واكتشفته صدفة ومن ساعتها وأنا هموت من الحزن بعد ما كنت أدخل فى حيطة»، اكتفى بكلماته الحزينة واكتفيت بابتسامتى المريرة.
(2)
- فى المستشفى ترى وجوهاً من عالم آخر، تكسوها ابتسامات ميتة وضحكات تريد التغلب على مرض لعين ونظرات يملأها الحزن والرجاء والأمل جميعاً.
الدكتور «مايكل» المتابع لحالة أمى نظر فى تحاليلها نظرةً فاحصة، وقال: «لازم تجيب ماما معاك الأسبوع الجاى عشان أشوفها»، وبعد لحظات استطرد ممازحاً: «ومواصلاتها عليّا»، اكتفيت أيضاً بابتسامة المرارة المرسومة على وجهى مع إيماءة من رأسى.
(3)
- فى المقهى يجلس أحدهم وحيداً يقلب جريدته غير مبالٍ ويسحب أنفاساً سريعة من الشيشة، بينما على الجانب الآخر يلعب أحدهم الطاولة بكل مرح، رامياً الزهر هاتفاً: «اليوم يومك يا دمشقى»، بينما يُحدث آخر جالساً إلى جواره بكل جدية فى موضوعٍ يبدو جد خطير، لا أعرف كيف يجمع بين هذا المرح وتلك الجدية فى الوقت نفسه.
«مناديل يا بيه؟»، أخرجتنى بائعة المناديل التى تخطت الستين من عمرها، من تركيزى مع رامى الزهر، ويبدو أنها تحدثنى منذ مدة، ابتعت منها المناديل صامتاً راسماً نفس الابتسامة المريرة على وجهى وعدت لتركيزى مع لاعب الطاولة المرح الجاد، فاجأنى هاتفاً بمرح زائد: «لو عاجبك كده تعالى اتصور معايا»، بنفس الابتسامة أجبته: «عاوزك تعلمنى الطاولة».
أجاب: «هعلمك بس مش النهارده، انت دايماً تيجى انت وصحابك المثقفين وتقعدوا تتكلموا مع بعض وماتكلموش حد قاعد فى القهوة فاكرينّا جهلة»، «لا سمح الله يا عم»، قاطعته محاولاً الدفاع عن نفسى، ولكنه استطرد: «انت عارف إنى بحب القراءة وبحب خيرى شلبى جداً؟ مش مهم.. المهم إنى رايح محل أكل عيشى وهعلمك الطاولة بعدين.. سلام يا أستاذ»، خرج سريعاً وهو يهتف بأعلى صوته: «حساب المشاريب على الزبون يا عم ميلاد»، بينما يشير إلى خصمه المهزوم شر هزيمة.
- فى ميكروباص العودة كان السائق يشغل «شريط كاسيت» يخرج منه صوت الراحل رمضان البرنس بأغنيته الشهيرة «يا عينى على الأم وحنان الأم».
(4)
- فى المنزل غرزت إبرة «الإنترفيرون» فى جسد والدتى الهزيل وأفرغت محتوياتها فاستقبلتها بينما ترتسم على وجهها تلك الابتسامة المريرة وتربت على يدى، قبل أن تبدأ «أسبوع آلام» أعراضها التى تنتهى مع يومٍ آخر تودعنى فيه بدعوتها، لأحصل على حقنة أخرى لها.
- رحلة الابتسامة المريرة تكررت 48 أسبوعاً، اختلفت فيها المواقف وتعددت الشخصيات وتغيرت الوجوه، فى كل أسبوعٍ نهنئ أحد الرفاق فى الرحلة على الوصول لخط النهاية ونودعه على أمل اللقاء، ونستقبل وافداً جديداً نشرح له ما ينتظره ونساعده على تخطى العراقيل والسير فى نفس الطريق، حتى وجدتنى فى يومٍ أستقبل التهانى، وأحمل سلامات رفاق الرحلة لأمى التى استقبلت الحقنة الأخيرة بابتسامة راحة مَن ألقى عبئاً ثقيل أنهكه، لتبدأ رحلةً جديدةً تستعيد فيها جسدها، وتتعافى من آثار «أسابيع الآلام».