الأحزاب والانتخابات في بلادي!
قبل أكثر من خمس سنوات بالتمام والكمال وتحديداً فى مايو من العام ٢٠١٨ انعقد المؤتمر الوطنى للشباب بالقاهرة من جدول أعمال من نقطة واحدة وحيدة هى: «التعدد الحزبى فى مصر»، وكانت الجلسات وموضوعاتها حول المشاركة السياسية فى البلاد.. شاركت الأحزاب وشارك المستقلون وحضر الشباب وشيوخ العمل السياسى المصرى من كافة التيارات والتوجهات السياسية المصرية واستمعوا لتوصيات المؤتمر والأولى والأهم والأساسية منها كانت حول فكرة التئام الأحزاب المصرية ذات التوجه الواحد بل والبرامج المتشابهة فى حزب سياسى واحد كبير يستطيع التأثير فى الشارع المصرى ويدفع التعددية الحزبية إلى الأمام ويساعد على رفع معدل التنمية السياسية فى أكبر بلاد المنطقة وأعرقها.. التوصيات هذه تحديداً شارك فى وضعها وصياغتها رجال الأحزاب أنفسهم وهو ما دعانا -ودعا الجميع- للتفاؤل وأننا عقب المؤتمر سنكون أمام حالة حزبية جديدة فى مصر نشهد ونتابع فيها عدة أحزاب كبيرة تتنافس على خدمة الناس وعلى جذبهم إلى عضويتها، وأننا بصدد عودة الأحزاب المصرية إلى سيرتها الأساسية الموجودة بسببها فى كل دول العالم وهى كونها معاهد وطنية سياسية تقدم للوطن خبرات وكوادر متميزة قادرة على خدمته وأهله على أفضل ما يكون، وتكون جاهزة على تولى المسئولية فى أى لحظة ضمن تعددية تنافسية ديمقراطية حقيقية الكلمة فيها للناس!
لن نصدم المصريين إذا قلنا إنه ولا استجابة واحدة تمت طوال خمس سنوات! الأحزاب الاشتراكية كما هى عدة أحزاب والأحزاب الناصرية الخمسة المؤسسة التى تحت التأسيس كما هى، وكذلك مجموعة الأحزاب الليبرالية بل وحتى الأحزاب ذات التوجه السلفى التى تقول وتردد دائماً أنها موجودة لخدمة الدين والوطن والمواطن!
خمس سنوات مرت ولا نعرف كيف مرت.. لكنها فى كل الأحوال خصم من الوطن نفسه ومن التجربة الحزبية كلها ومن قادة تلك الأحزاب وقد انتظرنا منهم إنكاراً للذات ورُشداً فى القرارات وتغليب المصلحة العامة على الخاصة والنظر إلى الأمام والمساهمة فى صناعة مستقبل أفضل للأجيال القادمة تولد وتنشأ فى ظل مجتمع سياسى صحى!
أما عن الانتخابات فى مصر فمن لا يلحظ التطور الذى جرى فى إدارة الملف الانتخابى كله فى مصر فيحتاج إلى إعادة نظر.. لدرجة أن جملة مصطلحات من صميم الانتخابات التى كانت تجرى فى نصف القرن السابق تحولت اليوم إلى مخلفات.. إلى تاريخ.. تستحق متحفاً نمر بين جنباته نتأمل ونتذكر.. ولأن الذاكرة الشعبية تحتاج دائماً إلى تنشيط والذاكرة الوطنية تحتاج دائماً إلى التدوين والتسجيل.. لذلك يحق القول إن جملة مصطلحات وتعابير تخص الانتخابات القديمة فى مصر السابقة على ٢٠١٤ انتهت من مجتمعنا.. فمثلاً «تصويت الموتى» و«تصويت المهاجرين والمصريين فى الخارج» و«تسويد اللجان» و«الورقة الدوارة» و«شحن الموظفين» و«التهديد بالنقل والفصل والتشريد» و«طرد المندوبين» و«منع أنصار مرشح من التصويت» -خصوصاً فى الانتخابات البرلمانية فى الريف حيث تعرف توجهات القرى وأنصار المرشحين وتوزيعهم الجغرافى- و«المنع من الوصول للجان» و«بلطجية اللجان»، كل ما سبق مسئولية الدولة وقد نقت الكشوف وتحمى اللجان ولا تتدخل إدارياً.. تتبقى بعض صور المخالفات لكن بالتأمل نجدها مسئولية الأهالى والمرشحين مثل التزاحم والمشاجرات أمام اللجان وإغراء الناخبين والبذخ فى الدعاية وحتى ذلك فالكثير منه تعاملت معه الأجهزة المختصة خصوصاً عند تهديد الناخبين والأمن العام.. لكن ذلك سيحتاج وقتاً لينتهى حيث يتصل بالوعى والثقافة الانتخابية!
الآن.. ونحن على أبواب استحقاق انتخابى مهم.. بل الاستحقاق الأهم.. وبمحاولة قياس حالة الأحزاب على الحالة الانتخابية نجد مسافة كبيرة جداً.. لا يصح معها اليوم الشكوى.. فالعمل الجماهيرى للأحزاب لن يعيقه أحد.. تشجير الشوارع وخدمة المسنين وفصول التقوية الدراسية وقوافل الأحزاب الطبية والخدمات الموسمية فى امتحانات الشهادات وموسم الحج وشهر رمضان، كلها مواسم للخدمة العامة.. صحيح هناك أحزاب تفعل وأخرى تحاول لكن حاصل التجربة الحزبية كله ليس إيجابياً بكل أسف.
والحل! ما الحل؟! هذا فى ذاته موضوع شديد الأهمية لكنه طويل ويحتاج إلى كلام كثير جداً من الوعى إلى المسئولية الوطنية إلى القوانين لكننا اليوم بصدد مناقشة دور الأحزاب مع دور الدولة وكيف نطابق الدورين معاً ونحن فى هذا الظرف التاريخى.
مسئوليات الدولة كبيرة.. تتعامل مع ما يقترب من ٧٠ مليون ناخب وأكثر من ١٠ آلاف لجنة انتخابية تحتاج إلى التأمين بعشرات الآلاف من رجال الأمن ورجال الصحة والإسعاف وعشرات الآلاف من رجال القوات المسلحة التى تشعر بالمسئولية تجاه هذه المناسبات الوطنية الأساسية والمفصلية! كل ذلك مع التعامل مع ما يقترب من ٢٠ ألف قاضٍ وملايين الأوراق والمطبوعات وكذلك آلاف الموظفين والتصاريح والصحفيين والمراسلين الأجانب ورجال الإعلام والقنوات الفضائية ووكالات الأنباء والمنظمات الحقوقية ومندوبى المنظمات والهيئات الدولية كالأمم المتحدة والبرلمان العربى والاتحاد الأوروبى وغيرها وغيرها.. يتبقى دور الأحزاب! والاستحقاقات فرص مهمة للتعلم ولاكتساب الخبرات.. لكن نريدها أيضاً -أو كنا نريدها- مناسبات للفعل والتأثير!
لكن يبقى الأمل..