«الكاستور» المصري وروح أكتوبر

أقل من 4 سنوات بأيام قليلة، كان عمري عندما سطر الجيش المصري ملحمة انتصارات أكتوبر المجيدة، لم أكن أدرك حقيقة كثير من الأمور التي كانت تحدث حولي في بلدتي الصغيرة «هرية رزنة» بمحافظة الشرقية، حيث اعتاد الأهالي النوم والاستيقاظ على أصوات الطائرات الحربية التي كانت تشق عنان السماء، أتذكر مشاهد تجمع أفراد العائلة حول الراديو، ترتسم على وجوههم علامات السعادة ممزوجة بالفخر، أصوات الزغاريد تنطلق في شوارع القرية، تتزايد مظاهر الأفراح كلما اقتربت من مجمع المدارس في القرية، الذي كان يضم العشرات من أبناء محافظات خط القناة، الذين نزحوا إلى المحافظات المجاورة، لتمهيد ساحة المعركة لملحمة النصر المجيد.

نشأت صغيراً على حكاوي والدي، رحمه الله، كنا نتجمع كل فترة، ليقص علينا فاصلاً جديداً من تجربته في السجون الإسرائيلية، عندما وقع أسيراً في قبضة جيش الاحتلال، أثناء مشاركته في إحدى العمليات القتالية قرب مدينة غزة، عندما تطوع كآلاف المصريين، ضمن مجموعات الفدائيين، لصد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، في ذلك السن الصغيرة، لم أكن أعرف بعد ماذا تعنى كلمة «أسير»، إلا أنني كنت في كل مرة، أحرص على البقاء مستيقظاً لسماع الحلقة الجديدة من الحكاية، التي كانت، في كثير من الأحيان، تستمر لوقت متأخر من الليل.

بعد انتهاء الحرب، استشعرت حالة البهجة التي كانت تنتشر بين أبناء القرية، أتذكر أنني عندما ذهبت، بصحبة والدي، إلى مدينة الزقازيق، التي تبعد عن قريتنا عدة كيلومترات، بعد أيام من الإعلان عن قرار وقف إطلاق النار، شاهدت المئات، أو ربما آلاف المواطنين، يحتفلون في الشوارع والميادين، يحملون أشخاصاً يرتدون الزي العسكري فوق أعناقهم، وفي إحدى المرات، توقفت أمام شاشة التلفزيون في أحد المقاهي، كانت تعرض بعض المشاهد لعمليات تبادل الأسرى، بعضهم كان يرتدي «بيجامة كاستور»، كالتي يرتديها كثير من المصريين، عرفت من حديث رواد المقهى أنهم أسرى إسرائيليون.

أسرعت إلى والدي لأبلغه بأنني شاهدت بعض الأسرى الإسرائيليين على التلفزيون، وكأنني أواسيه عما لاقاه من معاناة في سجون الاحتلال، ثم سألته عن سبب ارتدائهم «بيجامات»، بدلاً من زيهم العسكري، ليبدأ والدي في سرد قصة مشروع الكساء الشعبي، الذي أطلقه الرئيس جمال عبدالناصر، والذي يتمثل في توزيع أقمشة «الكاستور» على المواطنين بموجب بطاقات صرف السلع التموينية، لدرجة أنه لم يكن هناك بيت مصري، سواء في المدن أو القرى، بما فيها القصور والفيلات، يخلو من البيجامات أو الجلابيب الكاستور، التي كانت تُعد واحدة من معالم النهضة الصناعية التي تشهدها مصر في قطاع صناعات النسيج، التي تعتمد على القطن المصري، الذي كان يحظى بشهرة عالمية واسعة.

لم يسعفني والدي الراحل بإجابة وافية عن السؤال الذي ظل يراودني بين حين وآخر، مما دفعني إلى البحث عن تفسيرات منطقية، للرسالة أو مجموعة الرسائل، التي أرد الرئيس أنور السادات توصيلها إلى الجانب الإسرائيلي، عندما أصر على عودة الأسرى إلى تل أبيب وهم يرتدون «بيجامات الكاستور»، التي كان يرتديها الصغار والكبار في كل البيوت المصرية، لعل أبرزها نقل صورة للعالم بأن مصر، التي حشدت كل إمكانياتها لمعركة الكرامة واستعادة الأرض المحتلة، لم تغفل نهضتها الصناعية، وأن الدولة المصرية تتمسك بمسار التنمية، وأنها قادرة على استكمال البناء، رغم جسامة التحديات.

فعلى مدار عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، شكلت صناعة الأقمشة القطنية أحد أعمدة الاقتصاد المصري، حيث كانت أكثر من 33 شركة من شركات القطاع العام تعمل في هذه الصناعة، بالإضافة إلى نحو 3 آلاف شركة قطاع خاص، كما كانت تشكل ما يقرب من 44% من إجمالي الصادرات المصرية، ومازالت مدينة المحلة الكبرى، بمحافظة الغربية، تُعد إحدى أهم قلاع صناعة الغزل والنسيج، ليس في مصر فقط، وإنما على مستوى العالم.

هناك تفسير آخر، يذهب إليه البعض، من بينهم الدكتور حسام فاروق، أستاذ الاتصال السياسي، يستند إلى فكرة أن كثيراً من المواطنين كان يحرصون على ارتداء أبنائهم من الذكور البيجاما الكاستور، المعروفة بملمسها الناعم، بعد خضوعهم لعملية «الطهارة»، وأن الرئيس السادات أراد أن ينقل صورة الأسرى الإسرائيليين للعالم وهم يرتدون بيجامات الكاستور، في دلالة على حالة الاسترخاء التي استسلم لها الجنود الإسرائيليين، وأن عليهم التفكير ألف مرة قبل الدخول في حرب جديدة ضد الجيش المصري، لتبقى البيجاما الكاستور إحدى الدلالات المهمة على روح أكتوبر التي تدفع المصريين لاستكمال البناء، ومواصلة التقدم على كافة المسارات.