بعد الثلاثين.. جميعهن في الهوا سوا!!

هبة أمين

هبة أمين

كاتب صحفي

الأمر الوحيد الذى نفعله بإتقان وعلى أكمل وجه هو التقدم فى العمر.. عادة سنوية نحافظ عليها طالما ما زلنا على قيد الحياة.. فى سنوات قريبة كان الزمن يخوّف البعض بسبب عوامله التى تترك بصمتها على الإنسان وتزحف إليه بالتدريج وبشكل خادع حتى يتفاجأ بأنه أصبح شخصاً آخر خارج دائرة الشباب مطروداً بقوة الدفع.. خصلات بيضاء تكسو شعر رأسه، مع خطوط وتجاعيد تدل على أن صاحب هذا الوجه عاش سنوات طويلة ما بين المعافرة وحلم الوصول وآهات الوجع وتنطيط الفرح. قد يكون الأمر تغيّر إلى حد ما فى الوقت الراهن.. بالنسبة للرجل لم يعد يتخوف من سماع كلمة ده «راجل بركة»، أو «عم الحج»، وأصبحت كلمة «عمو» نفسها ذات جرس مختلف فى أذنه، فى ظل شيوع عبارة «شوجر دادى»، التى تم الترويج لها بشكل يختلف عن معناها الأصلى، والتلميح بأن دلالتها تشير إلى أن صاحب الشعر الأبيض أو الرمادى رجل ذو خبرات حياتية واسعة «فِهم الفولة» وأصبح يعى جيداً ماذا يريد من الدنيا وكيف يتعامل معها بعكس اندفاع الشباب وتهورهم الزائف! أما الجنس الناعم اللطيف.. فى كل الأحوال لا يعترفن بأعمارهن إلا أمام الطبيب المعالج، الذى يسأل إحداهن عن السِّن، وتضطر معه أن تجيب وتفصح عن الرقم الحقيقى على مضض، ومنهن مَن تتقمص شخصية بكيزة هانم الدرملى وتعبر بدهشة «إيه اللى دخّل السنين فى العلاج والمرض يا دكتور؟ طالما البنت تجاوزت الـ 30 يبقى كلنا فى الوجع والشكوى سواء!».. ويصل الأمر معهن إلى حد الإيمان بأنه لا يحق لأحد الاطلاع على البطاقة الشخصية إلا حضرة المأذون يوم عقد قرانها على نقاوة عينيها، أو حضرة البيه الضابط عندما تهم هى بتحرير «محضر» ضد أحدهم للتنكيل به مثلاً.

وكلما دخلت المرأة فى مرحلة سِنية أكبر يتوقف الزمن بالنسبة لها عند مرحلة أخرى أصغر مرّت وأصبحت من الماضى، الأمر هنا لا يتعلق فقط بفكرة الخوف من الزمن، ولكن بالأحلام التى تم تأجيلها إما غصباً واقتداراً أو خضوعاً للظروف التى تعيش فيها وأحياناً الاعتقاد الخاطئ بأنه «لسه بدرى.. الوقت قدامنا». قد يكون فى فترة العشرينات، غالبية الفتيات أشبه بـ«الكتكوت» الصغير الذى لم يتحمل المسئولية بعد وشعاره فى الحياة «كُل واتغندر».. وقتها الإقبال على ترف الحياة يكون من سماتهن، وفى الوقت نفسه تأجيل تحقيق الأحلام طابع لديهن! لتتفاجأ بمرور الزمن ومع الاستعداد لبداية دخول مراحل عمرية أخرى مختلفة، بأن كل ما تم تأجيله بزعم أن الوقت لا يزال مبكراً، أصبح كابوساً ينغص حياتها وتبدأ فى النظر إلى الأشياء التى لم تصل إليها بعد، دون الاعتداد بما تكون قد حققته بالفعل حتى لو كانت شئوناً صغيرة!

ومن ثم عندما أصبحت تُسأل فى إطار أى سياق مهما كان عن سنوات عمرها، تجد أن ما كانت تُفصح عنه فيما مضى بجرأة وعفوية باعتباره أمراً طبيعياً، ترغب الآن فى إخفائه لتلافى تذكيرها بأية أخطاء وقعت فيها، أو فرص تركتها تضيع هباء دون إدراك قيمتها الحقيقية، أو تجارب قررت إغفالها وعدم الاقتراب منها حفاظاً على منطقة الأمان التى أقنعت نفسها بها وغاصت بداخلها.

وفى المقابل، هناك أخريات تجدهن طيلة الوقت وأينما حللن فى أى مكان، يُفصحن عن سِنهن بكل فخر واعتزاز، ولا يهمهن إذا ما تجاوزن فترة عمرية بعينها وأصبحن على مشارف مرحلة أخرى أكبر، حتى لو لم يسألهن أحد عن مرحلتهن الآنية، والجلسة النقاشية التى يوجدن بها لا تستدعى منهن الحديث عن تاريخ ميلادهن من الأساس، مما يصيب السيدات الخائفات من الزمن طيلة الوقت بالامتعاض الشديد والسخرية من المتباهيات بأنهن يقتربن من أرذل العمر!

وقد يكون الفيصل هو ما قالته إحداهن بسخرية لاذعة: «تقولى سِنك ما تقوليش.. كده كده لو وصلنا إلى سن المعاش كل ست هتتكشف ويتعرف عمرها الحقيقى وبعد الستين الكل يتساوى»!!