يا بهية

 فى السابعة صباحاً تقف ابنة السابعة «أم المريلة زهرى» تحمل حقيبة مدرستها وتلهو بتلك التوكة الصغيرة بين أصابعها وتعلو وجهها ابتسامة تحمل براءة الدنيا وتدندن بكلمات أغنية لا يمكن تمييز كلماتها، وخلفها تقف شقيقتها الكبرى التى تبدو كأنها فى طريقها للعمل بعد أن تصل بشقيقتها للمدرسة، وتمسك شعر الصغيرة فى يدها وتجدل ضفائرها، وتقول فى لوم وعتاب لا يخلوان من نبرة حب صادق: «اوعى تفكيهم تانى بقى».

الشقيقتان تبدوان فى ذلك التوقيت منعزلتين عن المشهد المحيط بهما فى تلك المنطقة الشعبية التى لا تعرف إلا الضجيج والزحام، عشرات الأطفال حولهما فى طريقهما للمدرسة يصنعون جلبةً تملأ الآذان، وعشرات السيارات والتكاتك تمر إلى جوارهما تختلط أصوات محركاتها بأصوات السائقين، والباعة الجائلون يستفتحون يومهم بأصواتهم الجهورية معلنين عن بضاعتهم، وفى القهوة التى وقفتا أمامها يصيح القهوجى ممازحاً بلطف: «بناتك يا مصر سكر زيادة»، بينما صوت الراديو يخرج منه صوت محمد قنديل يشدو «يا حلو صبح يا حلو طل».

المشهد بأكمله والصورة بكل تفاصيلها كانت مصر التى كتب لها الفاجومى: «صباح الخير على الورد اللى فتح فى جناين مصر»، إلا أنى لم أستطع التمييز فى تلك اللحظة أى الفتاتين مصر، هل الصغيرة التى تنظر للمستقبل بإشراقة لا تشوبها شائبة؟ أم الكبرى التى تحمل فوق عاتقها هم شقيقتها وتطمئنها أن القادم سيكون حتماً أفضل؟، هل كانت مصر «البهية أم طرحة وجلابية»، أم مصر التى أعجزت الزمن «الزمن شاب وانتى شابة هو رايح وانتى جاية».

نظرات العتاب على وجه الشقيقة الكبرى امتزجت بقلق لم أعرف مصدره، ربما من تأخرها على عملها، قلقُ أخفته بمجرد أن التفتت إليها الصغرى تسألها أن تنتهى بسرعة، فابتسمت فى وجهها وطمأنتها قبل أن تنظر بغضب لمارٍ يتفحصها محاولاً مضايقتها، فأعادته نظراتها لرُشده وأبعدته عنها ومضى فى طريقه ومضت فى عملها «تعيشى ويفنوا حسادك ويسقوهم كاسات الذل».

هنا هببت واقفاً وتحولت إلى «أرشميدس» هاتفاً فى أعماقى: «وجدتها.. وجدتها، هى دى مصر اللى أعرفها»، مصر التى ترعى وتحتمل وتطمئن أبناءها، مصر التى تحمل كل المشاعر والأحاسيس فى آنٍ واحد، تهتم وتقلق وتفرح وتحزن، مصر التى تصد المعتدين والغازين وتتحول إلى وحشٍ كاسر إذا شعرت بالخطر على أبنائها ورعاياها، مصر التى تفعل كل شىء، يد تحارب وأخرى تبنى وتعمر وتعمل، مصر «اللى جاية فوق الصعب ماشية.. فات عليها ليل ومية.. واحتمالها هو هو وابتسامتها هى هى.. تضحك للصبح يصبح.. بعد ليلة ومغربية».

أعادنى من خواطرى صوت الشقيقة الصغرى التى تهتف مرحاً وفرحاً: «أنا هبقى أشطر واحدة وهطلع الأولى على المدرسة»، بينما يتهلل وجهها إشراقاً وتلمع عيناها وتتعلق بالمدرسة التى تظهر بوابتها لها، وتنظر لرفيقاتها فى الطريق إليها منتظرات الدخول لها، فكأنها تلك الفتاة التى قيل لها: «تطلع الشمس تلاقيكى.. معجبانية وصبية.. يا بهية».

أرشميدس الذى هتف بداخلى توارى وعاد إلى مكانه، فالشقيقة الصغرى هى أيضاً مصر «المعجبانية والصبية»، مصر التى تنظر دوماً للمستقبل ولا تتوقف، مصر التى لا يهمها موقفها الحالى وظروفها، فهى حتماً ستعبر إلى المستقبل، مصر البهية صاحبة الإشراقة المبهجة والطلة المرحة، المعروف عنها أنها «روحها حلوة ودمها خفيف وبنت نكتة»، هى أيضاً مصر التى تحمل المستقبل «فى عيون صبية بهية».

انتهت الشقيقة الكبرى من عملها، وتفحصت ضفائر شقيقتها وتأكدت من قوتها ومتانتها قبل أن تديرها وتنظر فى وجهها وتتلألأ عيناها بحب صادق، واحتضنتها موصيةً إياها أن تعود سالمةً من يومها، غانمةً دروسها، وأن تنفذ وعدها الذى قطعته على نفسها أن تصبح الأولى على المدرسة، بينما الصغيرة تكرر ذلك الوعد وتخرج من بين أحضانها مهرولةً فى مرحٍ نحو المدرسة مع رفيقاتها تودعها نظرات شقيقتها الكبرى التى استدارت بعد لحظات وذهبت فى طريقها.

عاد أرشميدس يتحدث بداخلى تارة أخرى ولكن بهدوء تلك المرة، نعم كلتاهما مصر، مصر التى تظهر فى أوقات الشدة جادة مهتمة قلقة، تسير بين الأمواج العاتية بكل ثقةٍ وقوة «دى مهما الموجة تتعافى.. بالعزم ساعة جماعة.. وبالإصرار نخطيها»، تصد المعتدين وتطردهم وتبعدهم بكل عزم وقوة وجلد لتتخطى الأزمات وتسير بثبات نحو بر الأمان «عقدتين والتالتة تابتة تركبى الموجة العفية.. توصلى بر السلامة معجبانية وصبية.. يا بهية».

هى مصر التى تتحول إلى تلك «المعجبانية» وتنظر للأمام فقط، تتوق إلى صنع مستقبل أفضل، تحاول دوماً أن تكون فى مقدمة الركب، تتعثر فتحاول مرة أخرى، لا تلبث أن تقفز بمرح وبهجة نحو هدفها «تبوس الأرض تتحنى تفرح وتطرح وتسرح.. وترجع تانى تتغنى.. اللى بنى مصر كان فى الأصل حلوانى».