طوفان الأكاذيب.. «BBC» وأخواتها
تحول موقف العاملين فى الصحافة والإعلام من القضية الفلسطينية إلى معيار يحاسب بموجبه كل صاحب رأى مخالف للتوجهات الغربية المؤيدة للعدوان الإسرائيلى، وسقطت منصات إعلامية كبرى فى اختبار «حرية الرأى»، الذى طالما ادعت بموجبه تفوقها على الإعلام العربى فيه، رغم غرقها فى العنصرية، والانحياز الكامل، وفقدانها للمصداقية.
اجتاح وسائل الإعلام الأمريكية والغربية «طوفان الأكاذيب» حول اجتياح المقاومة لأجزاء من الأراضى المحتلة عقب حديث «بايدن» عن مذابح ومحارق لم يستطع إثباتها، واعتذر عنه البيت الأبيض فيما بعد، لكن الإعلام الغربى واصل الكذب الممنهج دون رادع، ما أسهم فى انتشار تلك الأكاذيب التى لم يتراجع من روّج لها من ساسة وقيادات إعلامهم عنها حتى اللحظة.
هيئة الإذاعة البريطانية «BBC»، التى تفاخر عدد غير قليل ممن عملوا بها من الصحفيين بمهنيتها ومعايير الحياد فيها وبعدها عن التوجيهات السياسية، كانت على رأس قائمة «السقوط» حين تبنت وجهة نظر الإسرائيليين وسوّقت لروايتهم المغلوطة عن تجاوزات المقاومة الفلسطينية فى رداء يسرق قناعات متابعيها إلى باحة الباطل، خاصة وقد تعود غالبيتهم عدم تدقيق معلوماتهم من جهات أخرى، ما أوقعهم ضحية الخداع وانعدام المصداقية «الكل فى خدمة الصهيونية».
من تجرأ من الصحفيين العرب على رفع راية العصيان وإعلان تعاطفه مع الضحية صار ضحية مثله تماماً على أيدى محطة «BBC» وإدارتها التى عميت عن كل المجازر التى ارتكبها جيش الاحتلال ولا يزال، وحرب الإبادة التى يشنها على قطاع غزة ولم تتوقف بعد.
«بى بى سى» فتحت التحقيق مع 6 من مراسليها، بينهم صحفى كبير، بالإضافة إلى موظف، جميعهم من العاملين فى القسم العربى، كل ذنبهم أنهم أعلنوا موقفهم من العدوان الإسرائيلى ونشروا على صفحاتهم الشخصية ما يؤكد تعاطفهم مع الضحايا ولم يتطرق الأمر أو يتطرف الزملاء فى مواقفهم إلى حد الإدانة الواجبة للوحشية والإجرام الإسرائيلى.
أوقفت هيئة الإذاعة البريطانية معظم «ضحايا الرأى» لمدة أسبوع، والتهمة «التحيز ضد إسرائيل من خلال منشورات على مواقع التواصل الاجتماعى ودعم المقاومة»، وسقطت حرية التعبير كما سقطت الهيئة البريطانية المنحازة.
كل ما فعله صحفيو الهيئة يندرج تحت حرية الرأى بعد نشرهم مقاطع فيديو توضح مختطفين وأسرى على سيارة، وتعليق: «لحظة فخر»، فيما كتب آخر: «الصهاينة سيعيشون كلصوص ومغتصبين».
قررت الهيئة البريطانية استبعاد صحفية أخرى تعمل بالقطعة فى إجراء أكثر تطرفاً فى التعامل مع أصحاب مهنة قوامها الرأى.
التزييف المتعمد لم يقتصر على الترويج للأكاذيب الإسرائيلية، بل امتد إلى محاولة تكميم كل من تسول له نفسه التعامل بالموضوعية الواجبة مع حقائق وأحداث أكبر عملية عقاب جماعى وإبادة تبث على الهواء أمام أعين العالم أجمع دون أن يرف له جفن، بل ويحاول تصوير الضحية وكأنها الجانى.
لا يستحق إعلامهم ذلك القدر الكبير من الاحترام الذى حظى به طويلاً فى الكثير من الأوساط العربية، خاصة أهل المهنة من الصحفيين والإعلاميين الذين ظنوا طويلاً أنهم أمام نموذج للمهنية والمصداقية فيما كانت أكبر عمليات خداع عبر تاريخ الإعلام الدولى تمارس بقدر كبير من الاحترافية الكاذبة انكشفت مع حدث كبير كـ«طوفان الأقصى».
سيعانى الإعلام الغربى المنحاز طويلاً لاستعادة مكانته الضائعة، وثقة مستخدميه بسبب موقفه هذا ليس بين العرب فحسب، ولكن بين شعوب الأرض جمعاء، بعد أن تغير موقف دول كثيرة فى آسيا وأمريكا اللاتينية وصارت لا تعول على المصادر المنحازة لدول الغرب وأمريكا، وهو ما انعكس بوضوح على الخطاب السياسى فى كولومبيا ودول أمريكا الجنوبية الذين اعتمدوا على إرسال صحفييهم إلى منطقة الصراع لنقل الحقيقة، ووصل الأمر إلى تحول كبير فى مواقف نواب البرلمان الأيرلندى وجميعهم تلمّس الحقيقة بعيداً عن منصات «الطوفان الإعلامى الكاذب».