لهيب غزة.. تبعات الصراع الدولي
لم تكن معركة طوفان الأقصى مجرد عملية نوعية عسكرية للمقاومة الفلسطينية، بل كانت ضربة قاصمة فى عقر دار النفوذ الأمريكى، إثر نجاح حركة حماس فى تعطيل أنظمة المراقبة والتشويش على الأقمار الصناعية الإسرائيلية لتسهيل عملية اقتحام الغلاف وبعض المعسكرات، بينها محطات استخباراتياً مهمة، وربما تلقت المقاومة دعماً لوجيستياً وسيبرانياً على أعلى مستوى من حلفائها، مثّل صفعة قوية للكيان الصهيونى المحتل الذى فقد صوابه ليدير آلة القتل فى كل مكان.
تأثير الصراع الروسى الأمريكى كان حاضراً على ما يجرى فى غزة، وسط مخاوف من تدهور الأوضاع على الصعيد العالمى، تزامناً مع تصاعد العداء بين واشنطن وبكين، واستمرار الاضطرابات فى بقاع عدة بمنطقة الشرق الأوسط، ما خلَّف أزمة اقتصادية طاحنة ضربت اقتصادات الدول وأثرت على الأوضاع المعيشية.
الأمر الذى يتطلب قراءة عاقلة لمجريات الأحداث على الصعيد الإقليمى فى محاولة لاستشراف المستقبل، خاصة أنّ ما يجرى على الأراضى الفلسطينية لا ينفصل عن الصراع العالمى بين معسكرى الشرق والغرب، حيث يُقدم كل فصيل على استخدام أدواته لإلحاق الضرر بخصمه وإثارة القلاقل فى مناطق نفوذه.
وفقاً للمعطيات التاريخية سبق أن شنّ «حزب الله» اللبنانى عملية عسكرية على غرار «طوفان الأقصى» استهدفت تحرير أسرى لبنانيين، منهم سمير القنطار (الوعد الصادق 2006) وانتهت بأسر مجموعة من الجنود الإسرائيليين تمهيداً لإدارة مفاوضات حول تبادل الأسرى.
وعليه اجتاح جيش الاحتلال الجدار الحدودى نحو الأراضى اللبنانية، فتصدى له عناصر الحزب وأوقعوا خسائر فادحة فى صفوفه، وحينها استدعى جيش الاحتلال 6 آلاف جندى من الاحتياط وشن هجوماً جوياً على جنوب لبنان استهدف محطات الكهرباء ومطار بيروت والجسور والطرق وأسفر عن مقتل العشرات، لتنتهى المعركة بتقوية شوكة حزب الله وعودة تصدُّره المشهد كنموذج للمقاومة، فيما مُنيت إسرائيل بخسائر عسكرية فادحة.
فى العام 2009 حاولت الإدارة الأمريكية وحليفتها إسرائيل تنفيذ سيناريو مماثل لما يجرى على الأراضى الفلسطينية فى الوقت الراهن، وذلك قبل امتداد النفوذ العسكرى الروسى للبحر المتوسط، حيث استهدفت لبنان «عماد مغنية»، أحد قادة حزب الله، وأدارت عمليات قصف خلَّفت الكثير من الضحايا.
ووقتها أطلقت الآلة الإعلامية الأمريكية الإسرائيلية حملة استهدفت اغتيال قادة الحزب معنوياً من خلال وصمهم بالإرهاب، على غرار ما فعلته إسرائيل مع حركة حماس فى أعقاب عملية طوفان الأقصى.
ورغم الحشد الدولى لتلك العمليات حينها، فإن تل أبيب لم تنجح فى محو حزب الله وإنهاء وجود حركة المقاومة، الأمر الذى يشى بعجزها عن تنفيذ أهدافها على هذا الصعيد، ومن ثم فإن إعادة إنتاج تلك الخطط ستتسبب فى خسائر فادحة لإسرائيل وبالتبعية واشنطن، فضلاً عن تضرر الاقتصاد العالمى.
ظل الدعم الأمريكى للكيان المحتل حاضراً بقوة طوال العقود الماضية، وربما استدعت عملية طوفان الأقصى خطط البيت الأبيض البديلة المعنية بمنطقة الشرق الأوسط من أدراج البنتاجون، فوفقاً للمعطيات والتحركات الأمريكية قد تتحول ساحة الصراع العالمى نحو المنطقة بدعوى التصدى لإرهاب حركة المقاومة، غير أن تنفيذ تلك الخطط يستهدف القضاء على خصوم البيت الأبيض (معسكر الشرق) مرحلياً، أو على الأقل الحد من قدراتهم ونفوذهم فى المنطقة.
وفقاً للسياسات المعلنة، تُعد إيران نداً قوياً للإدارة الأمريكية التى تتعامل بجدية مع تحركات طهران وحلفائها وفق خطط المواجهة والاحتواء، خاصة أنها باتت حليفاً قوياً لروسيا والصين.
وتتعاطى مع الدولتين فى كل ما يخص آليات تنفيذ المصالح المشتركة للمعسكر الشرقى، تزامناً مع احتدام الصراع على الصعيد الآسيوى والأوروبى الذى خلّف تداعيات خطيرة على الاقتصادين الصينى والروسى بسبب خطط الحصار واستنزاف الموارد، ما يتطلب رد المعسكر الشرقى باستدراج البيت الأبيض لحرب طويلة فى الشرق الأوسط.
وربما كانت عملية طوفان الأقصى جزءاً من هذا السيناريو الذى استدعى رداً حاسماً من واشنطن تمثَّل فى التبكير بتنفيذ خطط مؤجلة، هدفها ضرب نفوذ المعسكر الشرقى من خلال القضاء على القوة العسكرية لحماس وحزب الله ثم التفرغ لخطط مواجهة الوجود الروسى فى البحر المتوسط وتحديداً قاعدة طرطوس.
إنّ تزامن عمليات القصف الإسرائيلى لقطاع غزة والحدود اللبنانية مع توجيه ضربات أمريكية لمناطق خاضعة للنفوذ الإيرانى على الأراضى السورية يؤشر إلى بدء معركة أمريكية طويلة تستهدف نفوذ إيران وروسيا العسكرى، واستمرار حصار الصين اقتصادياً وعسكرياً، خاصة فى البحر الجنوبى.
إلا أنّ المضىّ قُدماً فى تنفيذ الخطط الأمريكية وخطط المعسكر الشرقى مرهون بما يحدث على الأراضى الفلسطينية، فإذا توسعت ساحة المعركة ستشهد المنطقة صراعاً إقليمياً برعاية القوى الدولية المتصارعة على قيادة العالم.
مؤخراً تراجعت حدة الخطاب الأمريكى بشأن الأحداث الجارية على الأراضى الفلسطينية وسط محاولات محمومة لإثناء الإسرائيليين عن خطط الاجتياح البرى بعد توافر معلومات تؤكد صعوبة تحقيق جيش الاحتلال نجاحاً على الأرض، نظراً لاستعداد حركة المقاومة بسيناريوهات قد تكبد الاحتلال خسائر فادحة لأول مرة فى تاريخه.
ولذا لجأ البيت الأبيض إلى الضغط على الكيان المحتل بشأن تمرير المساعدات بعد كشف جرائم الحرب التى يرتكبها الاحتلال يومياً على الأراضى الغزاوية.
كما سرت حالة من التعاطى الإيجابى مع أهالى غزة على الصعيد الغربى -إعلامياً- فضلاً عن توحد كل شعوب الدول الإسلامية على ضرورة الانتصار للمقاومة التى باتت تجسد رمزية إسلامية تدافع عن المقدسات بغضّ النظر عن انتمائها السياسى.
كل المعطيات السابقة تقودنا إلى تراجع خطط الإدارة الأمريكية فى الدعم المطلق للكيان المحتل دون التخلى عن فكرة استمرار الحرب من خلال تنفيذ عمليات توغل برية محدودة من آن لآخر على المدى البعيد، والتوقف عن القصف الجوى الوحشى، ليخوض جيش الاحتلال حرب استنزاف طويلة لحماس مدعوماً بقوات أمريكية.
فضلاً عن الدعم اللوجيستى والاستخباراتى المتواصل، تزامناً مع غلق كل المعابر بين إسرائيل وغزة ليبقى معبر رفح هو المتنفس الوحيد، إلا أن هذا السيناريو لن يُفضى إلى تحقيق الهدف الأمريكى الإسرائيلى بمحو «حماس» من الوجود، وسط احتمالية دعم المعسكر الشرقى لحركة المقاومة بكل قوة، الأمر الذى يؤدى إلى تغييب الحلول الخاصة بالقضية الفلسطينية واستمرار حالة القلق والترقب فى المنطقة.