سيناريوهات تحت القصف
من سجن مفتوح، إلى مقبرة جماعية، قطاع غزة على وقع النيران. أطنان المتفجرات التى تدك كل شبر فيها، تعادل قنبلتين نوويتين حتى الآن، وربما تصل إلى ثلاثة مع الوقت!
تُسابق دول العالم الزمن فى وضع الخطط والسيناريوهات المحتملة والأكثر قبولا وواقعية، التى تناقش مستقبل قطاع غزة ما بعد الحرب، والمقصود ما بعد حماس؟ وهى سيناريوهات تتساوق مع ما تردده اسرائيل وتضغط لتحقيقه.
هناك حالة من "الشقاق" في أروقة الخارجية الأمريكية إزاء السيناريوهات المتوقعة لقطاع غزة بعد انتهاء المعارك، فهناك "من يؤكد أنه بالفعل تجرى محادثات أولية جداً بخصوص الشكل الذي قد يكون عليه مستقبل غزة، وفق "ماثيو ميلر" المتحدث باسم الخارجية الأمريكية".
ما دامت هناك معركة دائرة على الأرض، فإن "سيناريوهات المواجهة العسكرية هى التي ستحدد المشهد السياسي المقبل في غزة.
فيما يرتفع سقف المخطط الذى تريده اسرائيل إلى حدود المستحيل، فهى تتحدث عن تهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء، بينما يهجر سكان الضفة الغربية إلى الأردن، وتبقى أراضى الضفة الغربية وقطاع غزة خالية من سكانها الأصليين!
كى تتفرغ بعد ذلك لتحقيق مشروعها الصهيونى من النيل إلى الفرات، أما السيناريو الأقل كلفة، فهو الذى يتحدث عن وجود قوة حفظ سلام بقيادة الأمم المتحدة، بينما أشارت صحيفة "الجارديان" البريطانية، إلى أن إسرائيل في ظل عدائها مع الأمم المتحدة سوف تعارض أي قوة لحفظ السلام، ما يترك خيارًا آخر، وهو قوة متعددة الجنسيات، ويمكن أن يكون فيها مكون عربي، يشرف على تنفيذ البنود الأمنية، وهو أضعف الإيمان.
غير أن "لا أحد يلتفت لما يريده سكان غزة أنفسهم"، فبأى حق يخطط الأمريكيون أو الأوروبيون لتقرير مصير الفلسطينيين على أراضيهم، وهل هذا أمر يتّسق مع القوانين الدولية، لا سيما أن سكان القطاع سينظرون للأمر على أنه نوع من استباحة حقوقهم في السيادة على أرضهم؟.
كل السيناريوهات المطروحة لا يمكن أن يكتب لها النجاح، لسبب بسيط، هو أن المقاومة الفلسطينية لا تتجسد أو تقتصر على حركة حماس فقط، والقضاء على حماس لا يعنى زوال فكرة المقاومة، بل سيخرج جيلا جديدا أشد شراسة وقسوة من حركة حماس، فما خلفته الحرب من دمار لوجستى ونفسى ومعنوى فى عقول وقلوب الذين بقوا الأحياء، من أطفال وشباب وكهول ونساء، لن يمسح من الذاكرة الفلسطينية، فما بالنا بعقيدة المقاومة التى لن تتوقف بالقضاء على حركة أو تنظيم.
لم تكن حماس تنظيم خارج سياق النسيج الوطنى الفلسطينى فى قطاع غزة، ولا مليشيا جاءت من الفراغ، على افتراض أن حركة حماس "الشيطان الأعظم" الذى لابد من اجتثاثه، وهو ما تعمل عليه اسرائيل والدول العظمى، وبشكل أساسى الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا.
إذا افترضنا جدلا أن حركة حماس بجناحها العسكرى قد خبى بريقها وأفلت، فإن ما بعد حماس، سيكون أشد وأقوى فى عنفوانه وقوته وجسارته.
وإذا راهن المجتمع الدولى على زوال حماس، وظن بذلك أن كابوسها الذى يشكل تهديدأ أمنياً على اسرائيل، سينتهى إلى الأبد، يكون واهماً وساذجاً، حركة حماس وكتائب القسام، هى حركة مقاومة ضد الاحتلال، وهى بمفهوم القانون الدولى، ليست حركة إرهابية أو مليشيا مرتزقة، أو تحارب فى كوكب آخر لا يمت لعقيدتها بصلة، والأهم من ذلك هى جزء من الشعب الفلسطينى الذى يعانى ويلات الاحتلال وجبروته، ومن تراب هذه الأرض.
لذا فإن الثابت الوحيد فى هذه المعادلة هو أن المقاومة الفلسطينية لن تزول، هؤلاء الفلسطينيون الذين فقدوا آلاف الشهداء من الأطفال والنساء والرجال فى القصف الوحشى الذى تجاوز الشهر، هل تعتقدون أنهم سيتركون ثأرهم ويمضوا فى طريق النجاة؟! إن ذلك لن يحدث.
لقد أثبتت التجارب على مدار التاريخ أن حركات المقاومة تخرج من رحم المعاناة، وأن الفكرة تستمر وإن فنى الجسد.
غزة تحت القصف المتواصل منذ أكثر من شهر، ذاقت كل أنواع العقاب، قتل ودمار، تجويع وتعطيش، تهجير وترويع، شهداء بالمئات يومياً، ولا زالت صامدة رغم كل المآسى التى نشاهدها كل لحظة على شاشات التيلفزيون، ورغم وحشية الاحتلال، لازال سكان قطاع غزة باقون في أراضيهم ينزحون تارة إلى أماكن يعتقدون أنها آمنة، ثم يعودون إلى حيث كانوا، وأرغموا على ترك بيوتهم، لأنها تعنى هويتهم، وحبل الوريد الذى يمدهم بالحياة، ونجاتهم من النكبة الثانية.