40 يومًا من «اتساق» المواقف و«التصاق» المصالح

ساعات قليلة تفصلنا عن الذكرى، 40 يوماً مرت على أول شهداء حرب غزة، منذ انطلاقها بمسمى «طوفان الأقصى»، قبل أن ترتدى زى الحداد على مئات الشهداء الذين يتساقطون يوماً بعد يوم بفعل قصف الاحتلال وجرائمه التى لم ترحم طفلاً ولا امرأة، لم تستثنِ مستشفى ولا مدرسة، ولم ترتدع أمام صيحات الرفض التى انطلقت من كل حدب وصوب، وبكل اللغات، بما فيها العبرية أيضاً.

40 يوماً من المواقف، تتلون كالحرباء حسب طرفيها، حديث المؤتمرات المعلنة، مخالف لحديث الغرف المغلقة، يقف الغرب فى تكاتف غير متفق عليه، يشجعون العالم على السلام علناً، ويدعمون العدوان اقتصاداً، يعلنون نبذ العنف ومواجهة القتل، ويتبادلون كؤوس الدماء فى صفقاتهم، يخاطبهم العرب بمفاهيم يعجزون عن ترجمتها، يسألهم العرب عن شرف المعركة، هم بالفعل يعرفون معنى المعركة ويمارسونها ليل نهار، لكنهم يريدون شروحاً مستفيضة لمعنى كلمة الشرف وموقعها فى ضمائرهم.

40 يوماً انقضت، البيوت شواهد قبور، والسماء ملبدة بطيور الجيفة، رائحة الموت تخيم والأرض تبتلع المزيد، وكاميرات لا تنقل سوى عويل، سواد فى كل الأنحاء، وقلوب انقبضت وهى ترى أكفاناً محمولة بيد واحدة، لصغار أنارت وجوههم السماء، حين صعدت أرواحهم، تاركة أجسادهم عصية على الأرض، لن تتحلل ولن تذوب، ستظل رابضة فى مكانها، تمسك بكل قدم غريبة تدب إلى جوار جثامينهم، تعرقلها وتسقطها فى جوف الأرض إلى جحيم مستحق.

40 يوماً من اتساق المواقف، مصر ومن خلفها من العرب وبعض من غير العرب يتحدثون كما يفعلون، السر والعلانية ينطقان بحق الفلسطينيين، يضعان وقف إطلاق النار شرطاً للمفاوضات، يد تُجرى الاتصالات الهاتفية وتسعى فى سبيل تهدئة مشروطة بوقف الجريمة، ويد تمتد بالدعم والمساندة، قوافل إغاثة ومساعدات تقف أمام المعبر، وفتح للبوابات فى الاتجاهين، ستمر المساعدات أو يتعطل مرور الرعايا الأجانب، هكذا بدت دون أن تقال صراحة أو توضع شرطاً يعطل تفاهماً أكثر مما يسجل موقفاً.

40 يوماً من اتساق المواقف.. الرئيس المصرى يتحدث، مرة لشعبه، مرة للعالم، مرات فى مؤتمرات، وأخرى فى لقاءات ثنائية واتصالات هاتفية، المعنى واحد، والمفردات أيضاً واحدة، لا فارق بين ما ينطقه المواطن عبدالفتاح السيسى وما ينطقه الرئيس عبدالفتاح السيسى، ولا فارق بين الاثنين وبين ما ينطقه الشارع والمواطن المصرى عامة، فى البيت والشارع والعمل، فى أحاديث المقاهى وحتى فى هتافات الرفض التى انطلقت فى كل ربوع مصر، ترفض الاحتلال وأفعاله الغاشمة، وتحيّى صمود الفلسطينيين ونضالهم، وتهتف لرئيسنا بالتفويض والتكليف «احمينا واحمى أرض مصر من مخططات الغدر ومن أقدار الوهن».

و40 يوماً أخرى من التصاق المصالح، مصلحة فرنسا تلتصق بمصالح إسرائيل، لا مانع إذن من خطاب مائع يقال فى قلب تل أبيب يستميل به المصالح المعلنة والمختفية خلف الأقنعة والقناعات، لا تكاد طائرة الرئيس الفرنسى تعود إلى موطن رأسه حتى تأتيه هتافات شعبه الرافض لما يحدث من قمع ووحشية من قِبل إسرائيل تجاه الشعب الفلسطينى الأعزل، إذن باسم من تحدث الرئيس الفرنسى، هل تتعامل دول الغرب المتحضر بشخص رئيسها، أم يمثل الرئيس شعبه فلا يخالف قناعاته؟

ليست فرنسا وحدها، أمريكا تسير فى المسار نفسه، فعلها «بايدن» فى أكثر من سياق، ولجأ إليها فى غير موضع، مرات فى التلويح بحق «الفيتو»، ومرات فى التصريح بأن أمريكا لن تترك إسرائيل، ومرات فى تحريك المعدات والجيوش نحو الشرق الأوسط، ليدخل المواطن الأمريكى رغماً عنه فى معركة عبر عن رفضها بكل سبل التعبير المندرجة تحت بند الحريات فى بلد الحريات.. لكن يبدو أن الرئيس الأمريكى لم تصل إليه أصوات الرفض التى اندلعت فى غالبية الولايات الأمريكية، أو يبدو أن البيت الأبيض عازل للصوت خارجه، فلا تعبره صيحات الهتاف ضد «بايدن» وضد السياسة الأمريكية وضد إسرائيل وضد الوحشية وضد الجريمة الإنسانية التى تمارس فى فلسطين.

بين اتساق المواقف والتصاق المصالح يتأرجح العالم، شعوب لها رؤساء يعبرون عنها وعن إرادتها، وفى القلب منهم مصر، وشعوب لها رؤساء يخالفون قناعات الحرية والإنسانية ويمارسون جرائم ضد شعوبهم، ينفصلون عن واقعهم ولسان حالهم الازدواجية.. إذن «لمن وصف الديمقراطية الآن؟»، لمن عبَّروا عن شعوبهم، أم لمن تاجروا بإرادة شعوبهم؟