بعضهم يكتب ما يقول وبعضهم يفعل ما يقول
نحن ملوك الحديث، نمتلك لساناً لا يضاهيه أحد، كل من يتحدث العربية مفوه، هكذا يقول التاريخ، نحن لغة الله المختارة، التى أنزل بها قرآنه، وصدر بها الإسلام، آخر رسالاته ورسله، نحن اللغة التى لا تقارن، العصيّة على التقليد، الطاغية المؤثرة، نحن من ابتدع حروب الكلام، وصك لنفسه فنوناً لا يمارسها سواه، الهجاء حصرياً لنا، ونقائض جرير والفرزدق تشهد على معارك اللغة وحروب سلاحها الأبجدية، وسجالات لا يقوى عليها إلا من ملك الضاد ولغته.. أما عن حلو الكلام، فنحن أيضاً ساداته، ولنا فيه القدر والمكانة.
إذن، صار لنا موطن قوة نتكئ عليه، ألسنتنا لا يباريها أحد، القاعدة تقول لا تناظر عربياً فتُغلب، ولا تناقش مصرياً فتُهزم شر هزائمك، نحن من اخترع النكتة وابتدع الإفيه، نحن من جعل «قصف» الجبهة، و«قصف» الرقبة سواء، ونحن من لانت كلمته لكن لم تلن عزيمته، لم تتغير مواقفه ولا ثوابته، لا يصرفه عن كتابة وتوثيق ما يقول، سوى فعل وتنفيذ ما يقول.. أيندرج هذا تحت بند «الكلام»؟.. أم تحت بند «توصيف الفعل بالكلمات»؟.. من يقف فى أرضنا أو المعسكرات الموالية لنا، سيراها مواقف أكبر من أن تلخصها كلمات، ومن يقف فى معسكر الأعداء حتى لو تحدثوا لغتنا، سيراها مزايدات كتلك التى لا يقدم سواها، وإن أظهر الواقع من الذى لا يملك سوى لسانه، ومن الذى يملك ذراعاً وسلاحاً وأثراً وتأثيراً، وله قلب ينبض، ودماء تجرى فى عروق، ولسان ينطق بالكلمات.
تحت عنوان غزة أو فلسطين.. تملك مصر من الفعل الكثير، حقيقة الأمر لا نملك سوى أفعال، ليس مهماً أن تنسب لنا، فعلى مدار 75 عاماً من عمر قضية طاعنة فى التعقيد، مسنة فى المسارات، لم يهن الموقف المصرى ولم يختلف، لم يتوارَ أو يفضل مصلحته أو يعقد صفقات على حساب دماء عربية، فعل وقال أو قال وفعل، كلاهما سواء، ليس للزمن حسابات بين الفعلين، وليس للواقع قول آخر، داخل البرلمان المصرى وتحت قبته العريقة وبين ممثلى الشعب يسرد الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء القصة بكل فصولها المأساوية، لا يزايد ولا يمن على العرب الدور المصرى، هذا قدرنا وهذه شريعتنا وهذا قرآننا الذى نتلوه ليل نهار، يسرد ما تم منذ اندلاع الحرب، منذ اليوم الأول للقضية، ومنذ اليوم الأول للطوفان، أمام مطالبات بالمزيد والمزيد من الأفعال المصرية والتحركات السياسية والاتصالات والمفاوضات، فوران يسرى فى عروق المصريين، ليته يعدى غيرهم ممن ملكوا الضاد لغة وغادروا العروبة مواقف، فيأتى حديث الطمأنة المصرى ثابتاً واثقاً: «لقد فعلنا وفعلنا وفعلنا.. وسنفعل وسنفعل وسنفعل.. وسنظل نفعل بشخوصنا وبورثتنا جيلاً بعد جيل إلى يوم يبعثون، أو يوم يستمعون فيه إلى صوت مصر وحلولها الناجزة».
لكن هذه المرة مختلفة عن الـ75 عاماً الماضية، ما الذى يميز الموقف المصرى، ويضعه فى مكانة لا يصل إليها أحد؟، هل طبيعة الحرب ومنحى الوحشية الذى تنتهجه قوات الاحتلال الإسرائيلى وانكشاف الغطاء عن أكبر عملية تحايل وتضليل فى تاريخ الإنسانية باعتراف الغرب وهم يتبرأون منها؟.. هل تخاذل بعضهم واكتفاؤه بالقول فى زمن الفعل؟.. هل توجد يد ثالثة تعبث بالشرق الأوسط وتعيده كرته الأولى من عدم استقرار وأوضاع ملتهبة وصراعات تهدد المنطقة برمتها وليس طرفى الصراع، بما يحقق لليد الثالثة أهدافها؟.. كل ما سبق يصلح إجابة نموذجية تحصد الدرجة الكاملة للسؤال، لكنها تصلح إجابة فى كل عصر ووقت اندلعت فيه موجة من موجات المواجهة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، ثمة إجابة واحدة تميز الموقف المصرى فى 2023، متمثلة فى شخص من يتخذ القرار، من يلبى نداءات المصريين، من يحقق إراداتهم فعلاً وقولاً، من قرأ المخطط مبكراً ولم ينجرف وراء الاستفزازات، ووضع مصلحة الجمع العربى مقدمة على مصلحة الفرد العربى، وحافظ على حدوده ووضع حدوداً لكل الأغراض والأطماع، من احتفل بـ50 سنة عزة وانتصاراً فى 6 أكتوبر، وقطعها وعداً على نفسه، مواطناً ورئيساً وحكومة وجيشاً وشعباً وكل مؤسسات الدولة وكياناتها: لا لتهجير الفلسطينيين.. و«أرضى هتفضل أرضى.. ده باب مقفول».