الثمن المستحق

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

 فى الوقت الذى يتم فيه تبادل الأسرى فى أيام الهدنة المحدودة، يلملم سكان قطاع غزة جراحهم وأحزانهم وقصصهم المرعبة الأليمة التى عايشوها قرابة الخمسين يوماً جرَّاء القصف الوحشى المتواصل على بيوتهم ومصادر أرزاقهم، يعود النازحون لتفقد بيوتهم فلا يجدونها، فقد تغيرت ملامح الأحياء والشوارع تماماً، حتى إن الكثيرين منهم لم يتعرفوا على مناطق سكناهم أو بيوتهم المهدمة!

فتضاعفت صدمتهم من هول المأساة، كل شىء فى غزة تحول إلى ركام، دمار هائل فى كل مرافق الحياة سواء البنية التحتية أو المستشفيات أو المؤسسات الحكومية والمدنية أو الجامعات أو المحلات التجارية والأسواق، ووسط كل ذلك لا يجدون ما يسد الرمق من الاحتياجات الأساسية كالخبز والوقود والمياه والكهرباء، فما يدخل من مساعدات إغاثية لا يسد احتياجات 10% من السكان. يتحايلون على الظروف ليستمروا على قيد الحياة، إنها الكارثة فى أبشع صورها، ووصفها مسئولون دوليون بأنها أقرب إلى الجحيم الذى تستحيل معه الحياة.

لقد حاولت إسرائيل تسويق الأكاذيب لمواطنيها بأنها احتلت مركز مدينة غزة، وسيطرت على المحاور الرئيسية فيها، فكان موقع تبادل الأسرى فى اليوم الثانى بمثابة رد صاعق لها من المقاومة، حيث تم التبادل باستعراض عسكرى لـ«القسام» وسط المواطنين الفلسطينيين فى ساحة المدينة، الأمر الذى يؤكد أن الجيش فشل فشلاً ذريعاً فى السيطرة على غزة أو نزوح سكانها، أو تحقيق أى انتصار.

تتنقل كاميرات المصورين بين الأنقاض ويسأل المراسلون المواطنين الذين ينبشون بين ركام منازلهم المدمرة بحثاً عن أى شىء لا يزال صالحاً ينتفعون به فلا يجدون، وتأتيهم الإجابة غير متوقعة: «نحن باقون وهم إلى زوال»!

رغم المعاناة وملامح الأسى والإنهاك الواضح على الوجوه، يحمدون الله ولا يتذمرون، شعب جبار بكل معنى الكلمة، صامد وصابر ومرابط، يعلم الفلسطينيون أن كل مشاهد الدمار التى يرونها والأحزان التى تجرعوا مرارتها طوال الأيام السابقة من الحرب لن تكون نهاية المطاف، ومع ذلك لم ترتجف الكلمات فوق شفاههم، بل كانت مشحونة بالعزيمة على مواصلة الحياة بكل معاناتها وقسوتها: «سنظل هنا مهما كان الثمن.. نحن شعب بدنا نعيش»!.

لقد نفى الأسرى الذين خرجوا فى صفقة التبادل الشائعات التى يرددها جيش الاحتلال الإسرائيلى من أنهم تعرضوا للتعذيب والتنكيل والتجويع، وكانت رسالة الأسيرة «دانيال» التى تركتها لجنرالات المقاومة الفلسطينية خير دليل، فتعالت أصوات اليمين المتطرف مطالبة بمنعهم من إجراء مقابلات علنية، وإعلان حالة الطوارئ واعتقال كل من يدلى بحديث علنى عن المعاملة الإنسانية التى تلقوها من عناصر المقاومة، بدعوى عدم التأثير على سير العملية العسكرية، لكن الحقيقة أنهم لا يريدون أن تنكشف أكاذيبهم وتدليسهم وتزويرهم للحقائق أمام الرأى العام العالمى.

لقد أثبتت المقاومة الفلسطينية أنها حاضرة فى تعاملها الإنسانى مع الأسرى، بنفس حضورها المؤثر فى الميدان، ففى الوقت الذى تخوض فيه معارك شرسة ضد الحرب الضروس التى يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلى على كل قطاع غزة، يقتل فيها الأطفال والنساء ويدمر البيوت ويحرق الشجر والحجر، لم يتوان القائمون على سلامة الأسرى من الحفاظ عليهم بكل السبل المحفوفة بالمخاطر، بينما لم يكترث جيش الاحتلال لسلامة مواطنيه من الأسرى، فقتل عدداً منهم أثناء القصف العنيف، ولم يكن مستبعداً فى لحظة ما أن يطبق عليهم «بروتوكول هانيبال» دون تردد لو كان ذلك سيحقق لهم أى إنجاز، لكنهم تراجعوا تحت وطأة الضغط الشعبى، وعائلات الأسرى، والمجتمع الدولى الذى بدأ يتشكك وتتراجع قناعاته تجاه أهداف إسرائيل من الحرب.

لقد حاولت إسرائيل تسويق الأكاذيب لمواطنيها بأنها احتلت مركز مدينة غزة، وسيطرت على المحاور الرئيسية فيها، فكان موقع تبادل الأسرى فى اليوم الثانى بمثابة رد صاعق لها من المقاومة، حيث تم التبادل باستعراض عسكرى لـ«القسام» وسط المواطنين الفلسطينيين فى ساحة المدينة، الأمر الذى يؤكد أن الجيش فشل فشلاً ذريعاً فى السيطرة على غزة أو نزوح سكانها، أو تحقيق أى انتصار، وقد أشار «ناحوم برنيع»، الكاتب فى صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، إلى تأخر الدفعة الثانية من صفقة التبادل لبضع ساعات، مستنتجاً أن «حماس» لا تزال مسيطرة، واعتبر الكاتب أن المشكلة بدأت حينما هددت «حماس» بتعليق إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، بينما كانت أسرهم تعانى مما وصفه بالقلق من عدم لم شملهم معاً.

كما أثار هذا أيضاً قلق وتساؤل عائلات بقية الأسرى، ويضيف الكاتب أن الجميع تنفسوا الصعداء عندما وصل الأسرى إلى أيدى الصليب الأحمر الدولى، ويرى «برنيع» أن أى حديث عن هزيمة الحركة كان سابقاً لأوانه، وتعبيراً عن التمنى، فقد كانت قوتها واضحة فى المساومة، والمطالب التى قدمتها فيما يتعلق بكل قطاع غزة، حتى المناطق الخاضعة الآن لسيطرة الجيش الإسرائيلى.

حتى الآن لا يوجد سيناريو واضح لليوم التالى من انتهاء الحرب، القادة السياسيون فى إسرائيل يحاولون كسب الوقت أملاً فى أى انتصار أو إنجاز سياسى يسوقونه لشعبهم، خاصة «نتنياهو»، الذى يحاول باستماتة إنقاذ مستقبله السياسى المهدد بالمحاكمة والسجن، أما الفلسطينيون فهم مصرون على البقاء فى أرضهم والعودة إلى بيوتهم، وإفشال مخطط التهجير، رغم الدمار وحرب التجويع وانعدام مقومات الحياة، بينما المقاومة الفلسطينية ما زالت فى ميدان المعركة على أهبة الاستعداد، لم تنكسر ولم تضعف عزيمتها، فيما نرى تغيراً فى الموقف الدولى من الحرب، أما المؤكد فإن الوضع ما بعد 7 أكتوبر لن يكون كما كان قبله.