الانتخابات في مصر.. كيف كانت وكيف أصبحت؟!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

التطور سنة الكون.. وهى القانون الأساسى للحياة على الأرض ولأى تجمّع من البشر.. لكن نحتاج دائماً إلى تنشيط الذاكرة الوطنية وإنعاشها بالذكريات والأحداث..

على هذا النحو فقد كانت الانتخابات سابقاً وقبل 2014 خليطاً من الكوميديا والعبث الذى لم تكن تحتمله البلاد.. دعوة إلى اختيار رئيس جمهورية يحكم البلاد، يختاره البرلمان ويُستفتى عليه الشعب.. والشكوك كانت أصلاً فى الانتخابات التى أتت بالبرلمان ذاته!!

وإذا قلنا إن هذا النظام الانتخابى يرتبط بظروف محدّدة بعد تأسيس الجمهورية وإلغاء الملكية كمرحلة انتقالية، لكن الأزمة أن الأمور دفعت إلى إجراء انتخابات خارج سياق الزمن.. مرشحون لحزب ما يتم حشد الدنيا كلها لإنجاحهم! لماذا ذلك؟ أليس الكل أبناء الوطن؟ فى بعض الأوقات كان باقى المرشحين أنصار الحزب نفسه! تركوه للترشّح مستقلين أو على قوائم أخرى وإذا نجحوا عادوا إليه! ومع ذلك كان إنجاح مرشحى الحزب فوق مصالح الوطن العليا ذاتها، لأن معناها شىء مهم عند صاحب القرار، حيث تعنى «صحة اختياراته» أمام القيادة! على حساب الوطن! للأسف نعم!

هذا الذى نتحدّث عنه سريعاً تسبّب فى ميراث ثقيل جداً حول الانتخابات.. أسهمت فى ما نتابعه اليوم من عبارات سلبية مثل «هو أنا صوتى اللى هيفرق!»، وهى «الانتخابات هتتأثر بغيابى!».. إلخ إلخ.

السؤال: ما الذى جرى من 2014 إلى اليوم؟! تعالوا نستعرض الانطباع العام عن الانتخابات فى مصر وكيف تبدّلت على الأرض هذه الظواهر وإلى أين وصلت؟

كانت الشكوى لا تتوقف من كشوف الناخبين التى تعج بالمشكلات.. الموتى لا يتم حذفهم، والمدهش أن هناك من يتولى المهمة ويصوّت لهم! وبالطبع صوت واحد مرجّح ينسف مشروعية التصويت ويتطلب إعادته! ومع الموتى كانت كذلك أسماء المصريين المسافرين، بل والمهاجرين للخارج، باقية فى كشوف الناخبين، لم يتم تنقيتها، والمؤسف استغلال البعض لذلك، والتصويت نيابة عنهم!

لكن كيف يتمكن البعض من التصويت لهؤلاء؟

لوجود ظاهرة أخرى أفرزت مصطلحاً بغيضاً وكريهاً عند المصريين هو «التسويد»! وهو ما يعنى قيام أفراد داخل اللجان بالتصويت لمصلحة أحد المرشحين! هكذا أمام الجميع! والسؤال أيضاً: أين القضاة؟! نقول: لم يكن هناك إشراف قضائى على العملية الانتخابية، وكان مراقبو اللجان موظفين عموميين يتبعون السلطة التنفيذية يمكن التأثير عليهم ترهيباً وترغيباً! لكن السؤال أيضاً: وأين مندوبو المرشحين الآخرين؟! هذا سؤال مدهش مع الأجواء وقتها، إذ إن التعامل مع مندوبى باقى المرشحين كان مزعجاً جداً.. بين عدم منحهم الموافقات لذلك، وتعطيلها، أو إرهابهم هم أيضاً ليقبلوا بالتلاعب ضد مرشحيهم، أو حتى طردهم تحت أى حجة خارج اللجان!

اليوم كشوف الناخبين نُقيت، وليس فيها موتى أو مسافرون، واختفى مصطلح «التسويد» أصلاً، وصار التصويت ببطاقة الرقم القومى مع التوقيع بخط اليد، مع وضع الحبر الفسفورى، لمنع للذهاب إلى لجنة أخرى للتصويت مرة أخرى، كما كان يحدث فى السابق!

كل هذه الظواهر باتت من مخلفات الماضى.. باتت ذكرى حتى لو كانت أليمة.. باتت تراثاً سلبياً منتهياً ولا وجود له! ولا يصح أن يوظّفه البعض للتأثير على المشاركة الانتخابية وقد انتهت اليوم أصلاً من حياة المصريين!

لم تتوقف مسالب الانتخابات فى الماضى عند هذه الظواهر، بل بلغت حداً لم يخطر على بال أحد.. ففى القرى والمدن، حيث عدد من المرشحين تكون لكل منهم قريته وعزوته وأنصاره، سواء فى قرية أو فى حى.. تكون الخطة فى منع سكان هذه المناطق من الوصول إلى لجان التصويت، سواء بحصارها تماماً أو وجود بلطجية ومسجلين ومسجلات خطر ليؤذوا الأهالى فعلاً وقولاً!! وتكون النتيجة طبعاً فى خسارة المنافسين المطلوب إسقاطهم لأصوات مناصريهم، وبالتالى نجاح مرشحين بعينهم.. كان ذلك بعد إقرار إشراف القضاء على الانتخابات! فكان يحدث ذلك بينما القضاة لا يرونه ولا يعرفون عنه شيئاً، وليس ذاك من اختصاصهم أصلاً، حيث يتوقف دورهم عند الإشراف على اللجان وليس خارجها! هذه الظاهرة لم تعد موجودة.. انتهت تماماً ولم تحدث مرة واحدة فى خمسة استحقاقات تمت منذ 2014 إلى اليوم، لا فى انتخابات الرئاسة فى 2014 و2018 ولا فى استحقاقين لمجلس النواب وآخر لمجلس الشيوخ!

ظاهرة أخرى انتهت تماماً من انتخابات مصر اليوم، وهى توجيه تصويت موظفى وعمال الجهاز الإدارى للدولة المصرية.. والتهديد بالنقل والتشريد والتأثير على الترقيات والعلاوات والمكافآت والحوافز إذا دعم موظف ما حزباً معارضاً أو مرشحاً آخر ضد مرشح «الحزب الحاكم» وقتها.. وهذا لم يعد موجوداً اليوم، ومعه حشد الموظفين وحملهم بالإكراه للتصويت فى اتجاه معين.. وهذا لم يعد موجوداً.. استغلال سيارات الحكومة لم يعد موجوداً.. استغلال مبانى الحكومة ومقرات ومقدرات العمل التنفيذى لم يعد موجوداً!

وأخيراً ما اشتُهر بتسميته بـ«الورقة الدوارة!»، وهى تعنى باختصار شديد قدرة أحد الناخبين على الخروج من لجنته الانتخابية باستمارة التصويت ووضع أى ورقة فى صندوق الانتخابات! لماذا ذلك؟ لقيام ناخب آخر لم يذهب للتصويت بعد بالتأشير على الاستمارة لمصلحة ناخب معين، وذلك ضماناً لتصويته والحصول على صوته.. وهذه الاستمارة هى التى سيضعها فى الصندوق، بينما يخرج بالاستمارة الجديدة التى سيحصل عليها من داخل اللجنة ليُسلمها إلى أنصار المرشح المذكور الذين يأتون بناخب جديد يُكرر المأساة نفسها!

من يصدّق أن كل ذلك كان يحدث فى الانتخابات التى تُجرى فى بلادنا دون أى تقدير ولا احترام للمواطن المصرى وإرادته! لرأيه؟ لرغبته فى اختيار حكامه ونوابه؟! كل ذلك لم يعد اليوم موجوداً على الإطلاق.. وما نقصده بعدم وجوده هو كل هذه الظواهر التى كانت تتم بأجهزة الدولة والحكومة نفسها أو برضاها.. أما مخالفات الأهالى فكثيرة، وربما بعضها موجود، مثل التجمّع أمام اللجان ومحاولة التأثير على الناخبين بوسائل كثيرة.. وحتى مخالفات الأهالى ستختفى تدريجياً، وهى أصلاً مجرّمة قانوناً.. ومع ذلك باتت كل هذه الصور تراثاً وتاريخاً.. لا وجود لها اليوم فى انتخاباتنا، وهذا ضمن عملية أكبر للإصلاح السياسى فى البلاد، ولكن لهذا حديث آخر قادم بإذن الله.