العبقرية المصرية

حلمى النمنم

حلمى النمنم

كاتب صحفي

عشرات الملايين من المصريين خرجوا طوال ثلاثة أيام للمشاركة فى الانتخابات الرئاسية، كان هذا التدافع نحو اللجان الانتخابية مثيراً للاندهاش لدى المعلقين والمحللين الأجانب؛ أقصد الأوروبيين والأمريكيين تحديداً، لكن لا أتصور أن ذلك التدافع كان مفاجئاً لمن عرفوا أو خبروا الروح المصرية..

الخروج هذه المرة لا يرتبط فقط بالعملية الانتخابية، لكن الانتخابات كانت فرصة كى يعبِّر المصريون عن أنفسهم أمام الجميع، يعيدنا مشهد الانتخابات هذه المرة إلى مشاهد الخروج يوم 30 يونيو 2013 ثم 3 يوليو 2013 وصولاً إلى جمعة التفويض.

بحسبة أسعار كيلو السكر وسعر البصل وشائعات تعويم الجنيه وأحاديث بعض الصحف البريطانية والأمريكية عن الإفلاس الاقتصادى، ما كان للمصريين أن يخرجوا، وهذا اللحن عزفه بشدة دعاة الفوضى وأهل الشر، وفق تعبير الرئيس عبدالفتاح السيسى، لكن بمعيار الوطنية والوجود المصرى الذى يواجه أعتى التحديات، كان لا بد للمصريين أن يخرجوا، على هذا النحو الرائع؛ كبار السن وصغار الشباب؛ رجالاً ونساء؛ أغنياء وفقراء -مسلم ومسيحى- من الصعيد إلى الوادى الجديد وحتى دمياط شمالاً..

مع حرب غزة؛ وبتعبير أدق؛ حرب تصفية القضية الفلسطينية وإذابة الوجود الإنسانى والقومى للشعب الفلسطينى، شعر المصريون أن وطنهم فى خطر؛ لا تتعلق المسألة هنا بحاكم أو حكم؛ بل الوجود المصرى ذاته؛ مهدد؛ فى 30 يونيو كانت الدولة الوطنية والمدنية مهددة، لكن هذه المرة؛ يتعلق التهديد بالوطن ذاته؛ سيناء مستهدفة باقتطاع جزء منها لإقامة وطن بديل للأشقاء فى فلسطين، لنتذكر جيداً أن الجزء المستهدف من سيناء هو نفسه الذى كان هدفاً للإرهابيين كي يقيموا عليه ما سموه «ولاية سيناء»؛ وضح الآن أن خيوط استهداف مصر والمؤامرات تتلاقى وتعمل فى نفس الخط؛ بغض النظر عن الأسماء والواجهات.

قبل عام من الانتخابات تعرضت الدولة المصرية والنظام السياسى بها؛ ثم الرئيس عبدالفتاح السيسى تحديداً إلى حملة شرسة، فى الإعلام والدوائر السياسية الغربية؛ بُنيت هذه الحملة على أن مصر تواجه كارثة إنسانية واقتصادية، وأن هذه الكارثة لن تزول إلا بزوال الحكم الحالى؛ وكان يوم افتتاح مؤتمر قمة المناخ فى شرم الشيخ بروفة لما يخططون له ويسعون نحوه؛ وكان المصريون يرون ذلك جيداً ويدركون أبعاده؛ لكنهم آثروا الصمت وتركوا مؤسسات الدولة تتعامل؛ لم تتوقف الماكينة المضادة عند هذا الحد؛ بل عملوا على محاولة تخليق واختراع بعض الأسماء لتولّى السلطة، وتكرار ما جرى فى انتخابات سنة 2012؛ ومع محاولة التخليق؛ ظهرت دعوة بدت بريئة؛ تطالب الرئيس عبدالفتاح السيسى بعدم خوض الانتخابات؛ والذهاب إلى التاريخ من أوسع أبوابه، كان الطلب ساذجاً سياسياً وغير ديمقراطى بالمرة؛ بل هو الديكتاتورية بعينها؛ ثم جاءت حرب غزة، ليكتمل المشهد أمام الجميع، ويتضح أن كل الخيوط تعمل وتميل وتحبك؛ بهدف اقتطاع جزء من مصر؛ وسط دعاوى ناعمة عن مساندة الأشقاء؛ وهتاف ميليشيا «افتحوا الحدود أمام إخوتنا»؛ والزج بمعاهدة جنيف؛ وتوفير مقر آمن للاجئين؛ وهكذا؛ أمام ذلك كله كان الموقف الصلب للوطنية وللدولة المصرية؛ فى رفض ذلك المخطط.. والحق أن الصلابة هنا تحسب لرأس الدولة شخصياً؛ وتكشفت الأوراق؛ الاتحاد الأوروبى غاضب من مصر، لأنها رفضت أن تقدم السلاح لأوكرانيا وأن تعمل مصانعنا الحربية لحساب زيلينسكى، الأمريكيون غاضبون لأن مصر لم تدعم ما يسمى بصفقة القرن؛ هنا كان الرد الشعبى والوطنى المصرى حاضراً؛ وكانت المناسبة هى الانتخابات الرئاسية.

الأعداء لن يستوعبوا ذلك؛ كما لم يستوعبوا خروج الملايين فى 30 يونيو ولا خروجهم فى 9 يونيو 1967، ولا فى صمودهم ببورسعيد سنة 1956 أثناء العدوان الثلاثى.. ذلك غباؤهم السياسى وتلك هى العبقرية المصرية فى أجلى وأبسط صورها.