انتحار الأمم المتحدة

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

انتهت الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، وكانت معروفة آنذاك بالحرب العظمى، وراح ضحيتها أكثر من 15 مليون إنسان من العسكريين والمدنيين، وبعدها فكر العالم فى إنشاء كيان دولى يعمل على حل النزاعات مبكراً، دون اللجوء إلى القوة المسلحة.

وفى عام 1919، تم التوقيع على ميثاق إنشاء «عصبة الأمم» ضمن معاهدة «فرساى»، التى أقرها «مؤتمر باريس للسلام»، وخرجت إلى النور عام 1920، وضمّت 48 دولة، وسط تفاؤل عالمى بعدم وقوع حرب عظمى أخرى، مثل الأولى التى وُصِفتْ وقت حدوثها بـ«الحرب التى ستُنهى كل الحروب».

وكان لعصبة الأمم مجلس تنفيذى يضم الدول العظمى الأربع كأعضاء دائمين، وهى بريطانيا «العظمى» وفرنسا وإيطاليا واليابان، وانضمت ألمانيا فى عام 1926، لتصبح العضو الخامس الدائم فى المجلس.

بالإضافة إلى 4 أعضاء غير دائمين بالانتخاب لمدة 3 سنوات، وهى بلجيكا والبرازيل واليونان وإسبانيا، وفى عام 1922 زاد العدد إلى 6 أعضاء، ولم تنضم الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب رفض الأغلبية من الجمهوريين فى مجلس الشيوخ، رغم أن رئيسها حينئذ «وودرو ويلسون» كان صاحب اقتراح تأسيس العصبة.

وفشلت «عصبة الأمم» فى تحقيق أهدافها فى حفظ السلم والأمن الدوليين، وشهد العالم عدداً من النزاعات والحروب الثنائية بين الكثير من الدول، بلغت ذروة الفشل باندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1938.

ومن أبرز أسباب فشل «العصبة» فى القيام بمهامها، التمسّك بإصدار قراراتها بالإجماع، مما أدى إلى استحالة صدورها، إذا كانت مؤثرة على مصالح إحدى الدول ذات النفوذ فى مجلسها التنفيذى.

وتمّت تصفية «عصبة الأمم»، وسلّمت جميع ممتلكاتها إلى الهيئة الجديدة، التى حلت محلها، وهى منظمة الأمم المتحدة، التى بدأت عملها عام 1945 بعضوية 51 دولة عند التأسيس، ووصل العدد حالياً إلى 193 دولة ذات سيادة من بين 206 دول فى العالم. ومن بين أهم أهداف الأمم المتحدة -وفقاً لميثاقها- الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، ودعم القانون الدولى، وهو ما فشلت فيه المنظمة بعد ما يقرب من 80 عاماً على تأسيسها، ولأسباب تكاد تتطابق مع تلك التى أدت إلى تصفية «عصبة الأمم».

مشكلة الأمم المتحدة الأبرز تتمثّل فى مجلس الأمن المكلف بصون السلم والأمن الدوليين، وامتلاك الدول الخمس دائمة العضوية (الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) حق النقض «الفيتو»، وهو ما يؤدى إلى عرقلة صدور أى قرار، وفقاً لرغبة أى منها، حتى إن لم تشارك فى النقاش، وهذا ما يمس مبدأ السيادة بين الدول الأعضاء فى المنظمة الدولية.

كان «الفيتو» هو الثمن الذى فرضه الواقع بعد الحرب العالمية الثانية، لضمان مشاركة القوى الكبرى، على أمل أن تنجح «الأمم المتحدة» فى ما فشلت فيه «عصبة الأمم».

والمثير للدهشة أن هذا الحق -الفيتو- يتعارض تماماً مع المادة الثانية، فقرة (1)، من ميثاق الأمم المتحدة التى تنص على أن «تقوم الهيئة على مبدأ المساواة فى السيادة بين جميع أعضائها»!

ومنذ سنوات، بدأ الكثير من الدول فى مهاجمة وجود «الفيتو» فى نظام الأمم المتحدة، وتناوله فقهاء القانون الدولى العام بالنقد فى تلال من الأبحاث والدراسات، ويعتبرونه أساس فشل نظام الأمن الجماعى، ومن ثم يطالبون بإلغائه أو تقييد حالات استعماله، بعد أن تعسّفت الدول دائمة العضوية فى استخدامه، تجاه أى قرارات تتعارض مصالحها، أو تدين حلفاءها، والمثال الأكثر وضوحاً -ووقاحة أيضاً- يتمثل فى رفض الولايات المتحدة الأمريكية كل القرارات التى تدين إسرائيل، حتى إن تعارض الرفض مع أغلبية الجمعية العامة التى تضم الـ(193) دولة. كل الظروف التى أدّت إلى إلغاء «عصبة الأمم»، تتوافر الآن بشكل أكثر وضوحاً، وتدفع فى اتجاه إلغاء الأمم المتحدة، والسيناريو يتكرر إلى حد التطابق. فشلت «عصبة الأمم» فى تجنيب العالم ويلات الحرب العالمية الثانية، وفشلت أيضاً الأمم المتحدة فى مهمة حفظ الأمن والسلم الدوليين، وهى على وشك «الانتحار»، بعد أن سقطت رهينة الإرادة الأمريكية، وسطوة الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن، والسؤال الأهم الذى يشغل العالم الآن، هل نحن على مشارف نهاية تلك المنظمة؟، والإجابة قيد ما نشهده من بدايات تغيير موازين القوى فى العالم.