كمال الدين صلاح

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

كان الرجل يعبر الشارع أمام بيته فى العاصمة الصومالية «مقديشيو»، وفجأة هجم عليه من الخلف رجلٌ يحمل سكيناً طويلة، وفى لحظة طعنه فى ظهره وواصل الطعن إلى أن سقط مضرجاً فى دمائه، ولم يتركه إلا بعدما تكاتف عليه المارة وقيدوا حركته، لكنه كان قد ترك السكين مغروسة فى ظهر رجلنا الذى بقى لديه بعض قوة، فمد يده إلى الوراء وانتزع السكين المغروسة فى جسده، ثم نقلوه إلى المستشفى لكن عندما وصلوا به كان قد مات.

الرجل الذى مات هو كمال الدين صلاح، ممثل مصر فى بعثة الأمم المتحدة فى الصومال فى خمسينات القرن الماضى. ومَن لا يعرف كمال الدين صلاح، فهو من أُطلق اسمه على النفق المار تحت كوبرى قصر النيل من جهة الشرق. كانت تلك الفترة من حياة القارة السمراء فترة عصيبة تكالبت فيها قوى الاستعمار على بلادها طمعاً فى الثروات الطائلة التى تتمتع بها. كان «صلاح» قد ذهب إلى الصومال بعد جولات دبلوماسية عديدة فى مناطق مختلفة من العالم.

ذهب إلى الصومال منقولاً من مارسيليا بفرنسا ممثلاً لمصر ضمن لجنة ثلاثية من مصر وكولومبيا والفلبين يقيم ممثلوها فى الصومال الموضوع فى ذلك الوقت تحت الوصاية الإيطالية، وذلك للإشراف على عملية انتقال الصومال من الوصاية إلى الاستقلال.بدأ كمال الدين صلاح حياته فى السلك الدبلوماسى فى القدس عام 1936 بينما الثورة الفلسطينية على أشدها ضد العصابات الصهيونية.

ثم نُقل إلى اليابان فى وقت كانت الحرب بينها وبين الصين مستعرة، ومن اليابان إلى بيروت وقت أن كانت فيشى الفرنسية تحتل لبنان وتأهبت جيوش فرنسا وإنجلترا للتدخل ضدها لطردها، فساعد اللاجئين هناك وطلبت إنجلترا إعادته لمصر بعيداً حتى لا يتدخل لصالح المناضلين العرب هناك.

ثم نُقل «صلاح» إلى اليونان التى كانت تشهد حرباً أهلية بين الحكومة والشيوعيين ومن أثينا إلى عمان، حيث شهد الحرب الأولى بين العرب وإسرائيل فى فلسطين ومن عمان بالأردن إلى تشيكوسلوفاكيا، حيث كان فترة انقلابات شيوعية ثم إلى دمشق فترة حكم الشيشكلى والتوتر بينه وبين الشعب السورى، إلى أن نُقل إلى مارسيليا بفرنسا قنصلاً لمصر وهناك اصطدم بالفرنسيين كثيراً، لأن مصر كانت تدعم الجزائر ضد الاحتلال الفرنسى وكان الفرنسيون ينظرون لكل مصرى بريبة وحذر وكراهية.

كانت رحلة شاقة استمرت 18 عاماً قطعها كمال الدين صلاح وسط الحروب والانقلابات والرصاص والشظايا خرج منها «صلاح» سليماً، ولما نُقل إلى الصومال اعتقد أنه سيمضى فترة راحة والتقاط للأنفاس هناك، لكنه مات بطعنة سكين!

وقع «صلاح» فى غرام الصومال، تلك البلاد العربية المسلمة وبادله الشعب الصومالى حباً بحب ووجدوه شقيقاً لهم يعمل لمصالحهم الوطنية، وقد سعى لاكتشاف الصومال فجاب أرضها طولاً وعرضاً بسيارة زار خلالها الجبال والغابات ولم يشعر بغربة حيث وجد مفردات اللهجة الصومالية العربية تتضمن مفردات مصرية.

كان الصومال مجزأ إلى ثلاثة أجزاء تم احتلال كل منها من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وقد عانى الشعب الصومالى الشقاء والقسوة من الاستعمار الذى امتص ثروات هذا البلد الغنى بالثروات الطبيعية.

ما زال الصومال يواجه المؤامرات الاستعمارية الطامعة فى موقعه الجغرافى الفريد الذى يطل على المحيط الهندى والبحر الأحمر ويسيطر على واجهة بحرية متميزة وتتسع أراضيه لتضم ثروات متنوعة.

ما زال شعب الصومال يتذكر البطل المصرى كمال الدين صلاح الذى وقع فى غرام البلاد السمراء وراح ضحية المؤامرات الاستعمارية الطامعة فى هذا البلد الشقيق.