«العدل الدولية».. بين قوة المنطق ومنطق القوة

جمال حسين

جمال حسين

كاتب صحفي

بعد مرور 8 أيام على محاكمة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، يترقب العالم أن تصدر المحكمة خلال أيام قراراً بإيقاف المجازر التى ترتكبها إسرائيل ضد أهالى غزة ويخشى الجميع أن تؤثر الضغوط التى تمارسها أمريكا على حياد المحكمة ويأتى حكمها صادماً لصالح إسرائيل.

لا شك أن المحاكمة كانت كاشفة لإجرام إسرائيل.. فهى المرة الأولى التى تُساءل أمام العالم عما ارتكبته فى قطاع غزة، ومهمة فريقها القانونى لم تكن يسيرة ليس لضعف فى أدائه بل لقوة صوت الضحايا وحجتهم. كل جهابذة القانون فى العالم أكدوا وأشادوا بقوة الملف الذى قدمته دولة جنوب أفريقيا وأكدوا أن الحجج التى قدمها فريق الدفاع الإسرائيلى جاءت أضعف من أن تُسقط الدعوى لكن الخوف أن تتأثر المحكمة بضغوط أمريكا وحلفائها!!

خلال جلسات المحاكمة، شاهد العالم «قوة المنطق» فى مرافعة فريق الدفاع الجنوب أفريقى الذى كان مقنعاً للجميع وفى اليوم التالى فوجئ الجميع بضعف وقلة حيلة ردود فريق الدفاع الإسرائيلى الذى حاول فرض «منطق القوة».. شاهدنا خلال يومى المحاكمة صراع المتناقضات.. بين الحق والباطل.. الصدق والضلال.. الواقع والبهتان.. المقاومة والطغيان.. المالك والمستعمر.. الظالم والمظلوم.. قوة المنطق ومنطق القوة.

هكذا كانت الحال داخل قاعة السلام بمحكمة العدل الدولية بلاهاى أثناء محاكمة إسرائيل.. هكذا كان الفارق بين مرافعة فريق الدفاع الجنوب أفريقى ومرافعة فريق الدفاع الإسرائيلى، الأمر الذى وضع محكمة العدل الدولية فى موقف لا تُحسد عليه وعليها أن تختار إما أن تكون أو لا تكون.. تكون إذا انحازت للحق والعدل وطبقت القانون بحذافيره وأدانت إسرائيل وأصدرت حكماً بوقف المجازر ضد الفلسطينيين فوراً.. ولا تكون إذا استجابت للضغوطات الأمريكية الأوروبية وتأثرت بالسياسة وأصدرت حكماً صادماً لصالح إسرائيل يفقدها مصداقيتها إلى الأبد!! ‏

لقد تابع شرفاء العالم محاكمة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بسعادة.. فهم يرون لأول مرة إسرائيل وهى تقف فى قفص الاتهام، وتحاكم أمام العالم كله فى مظهر من مظاهر العدل والإنصاف يتحقق.. وهم يرون إسرائيل فى مكانها الذى تستحقه كمُجرمة حرب يتم فضح أفعالها على العلن.. تألم شرفاء العالم وهم يشاهدون ويستمعون للفريق القانونى الجنوب أفريقى وهو يسرد بالصوت والصورة فيديوهات جرائم إسرائيل.

لقد فعلها أحفاد نيلسون مانديلا وأثبتوا بموقفهم المُشرّف الذى سيذكره التاريخ وانتصارهم للقضية الفلسطينية أن الدنيا ما زالت بخير وأن قضية فلسطين ليست قضية شعب بل هى قضية الإنسانية جمعاء.

لقد خاض الفريق القانونى لجنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية معركة قانونية وإنسانية نيابة عن كل أحرار العالم.. عزف سيمفونية قانونية متناغمة فضحت إسرائيل وجرائمها أمام العالم بشكل غير مسبوق.

أذهلت المحامية الرائعة عادلة هاشم الجميع وقدمت واحدة من أقوى المرافعات، على الإطلاق‏، وأبدعت فى تقديم الحجج والبراهين الدامغة لإدانة إسرائيل بإبادة الشعب الفلسطينى.

أكدت أن إسرائيل قصفت غزة براً وبحراً وجواً بشكل لم نألفه فى تاريخنا المعاصر.. قالت إن إسرائيل قصفت غزة بـ6000 قنبلة وهى على دراية أن كل قنبلة ستوقع ضحايا مدنيين، وأكدت أن اعتداء إسرائيل على منظومة الصحة فى غزة يندرج ضمن بنود جريمة الإبادة الجماعية، وكذلك رفضها توفير المساعدات الإنسانية للمدنيين وجعلهم على شفا مجاعة غير مسبوقة، كما أكدت بالأدلة أن الجيش الإسرائيلى يحتفى بتفجير الميادين والمنازل ويرفع العلم الإسرائيلى على حطامها.

الحرب التى تخطت المائة يوم خلفت أكثر من 25 ألف قتيل و70 ألف جريح ودمرت 400 ألف منزل وأجبرت 85% من السكان على النزوح.

أكدت المحامية المتألقة أن المدنيين الفلسطينيين يقتلون فى المناطق التى أعلنت إسرائيل أنها آمنة وأن سلوك إسرائيل لا يترك أى مكان آمن فى غزة وأن 75% من الضحايا نساء وأطفال، وأشارت إلى أن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمراء فى ردها على هجمات 7 أكتوبر.. لم تترك المحامية كبيرة ولا صغيرة إلا وذكرتها بإطار قانونى فاق التصور وأبدعت فى سرد وبسط الدعوى.

وأياً كان الحكم الذى ستصدره المحكمة فإن صنم الصهيونية يتهاوى وسوف يسقط والسؤال الذى يفرض نفسه حالياً: هل تنحاز محكمة العدل الدولية للحق والعدل وتحكم على إسرائيل بأنها مذنبة ارتكبت جرائم إبادة جماعية فى غزة؟

لو حدث ذلك، فسيكون بمثابة زلزال فى الجغرافيا السياسية، فطوال 75 عاماً كانت إسرائيل الدولة الوحيدة فى العالم، التى صدر بحقها عشرات القرارات من الأمم المتحدة ولم يُنفذ أى منها ‏وظلت تتعامل وكأنها فوق القانون.. هى الدولة التى هاجم سفيرها بكل وقاحة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريتش ووصفه بأنه خطر على السلم العام لمجرد أنه احتج على قتل إسرائيل لأكثر من 150 موظفاً تابعاً للأمم المتحدة أثناء قصف غزة.

لقد كانت محاكمة إسرائيل كاشفة حتى لو لم يصدر قرار ملزم من محكمة العدل الدولية بإدانتها وإلزامها بوقف المجازر ‏وحتى لو أصدرت قراراً لم ينفذه مجلس الأمن بفيتو متوقع من أمريكا.

ستظل هذه المحاكمة وصمة العار التى تلاحق إسرائيل تفضحها وتُعريها، وتهدم عقوداً من البروباجندا الأمريكية، أُنفق عليها المليارات.

رفعت الجلسة بعد أن وقر فى يقين قضاة المحكمة الـ١٥ أن دفوع الوفد الجنوب أفريقى كانت قوية صادقة وأن ردود الدفاع الإسرائيلى جاءت ضعيفة يائسة، وبالمنطق إذا كانت الإجراءات المؤقتة لمحكمة العدل الدولية وجدت أن قضيتى جورجيا وأرمينيا مبررتان. فكيف لا تجد إبادة غزة التى هى فى وضع أكثر خطورة مبررة؟! فهل تُصدر قراراً يعيد للإنسانية كرامتها المهدرة؟!