«الخبر» في مواجهة «المدفع»

طارق عباس

طارق عباس

كاتب صحفي

يعيش الإنسان حياته متأثراً بكل ما حوله، لكنه لا يستطيع الوجود فى جميع الأماكن ومعاينة كل الأحداث بنفسه، لذلك فالحاجة للمعلومة والخبر ليست رفاهية، لأنها تبنى قرارات وانطباعات وتشكل الرأى والتوجهات، وجميعنا نلمس أنه فى الأحداث الكبرى يصبح الخبر هو الرهان الأكبر، ماذا حدث؟ وماذا يحدث؟ الجميع يبحث عن الوسيط الذى ينقل له الأحداث، هاتف محمول متصل بشبكة الإنترنت، أو ريموت تلفاز يدخله إلى عالم الأحداث، أو شاشة كمبيوتر يغوص من خلالها فى المواقع الإخبارية، الجميع يبحث عن المعرفة، والأهم من المعرفة (الحقيقة).

فى بداية العدوان الإسرائيلى القذر على قطاع غزة، أول ما استخدم الكيان الصهيونى كان سلاح الإعلام، فبرك فيديوهات وصوراً وقال إن «طوفان الأقصى» شملت قتل أطفال وقطع رؤوس واغتصاباً، وهى الرواية التى صدقها الغرب وبدأ التعاطف مع ما عرف بحق الكيان فى الدفاع عن نفسه، لكن وبنفس السلاح، كان الرأى العام العالمى يتغير شيئاً فشيئاً مع كل الأخبار والفيديوهات والصور التى تخرج من قطاع غزة، لتؤكد للعالم أن جريمة كبرى تحدث فى فلسطين، تخطت مسألة الدفاع عن النفس إلى الإبادة الجماعية.

فى إحدى جلسات «منتدى مصر للإعلام» فى نسخته الأخيرة، اجتمع المتحدثون على شىء مهم وصريح، وهو أنه لا حياد، كل وسائل الإعلام لديها أجندة محددة، وأهداف تسعى لتحقيقها، سواء كانت معلنة أو غير معلنة، وفى الواقع فقوة بعض الدول فى عصر السماوات المفتوحة أصبحت مستمدة بشكل أو بآخر من وسائل إعلامها المحلية والإقليمية والموجهة للخارج بلغات مختلفة، لأنها ببساطة تستطيع من خلال تلك الوسائل أن تشكل الرأى العام بثوابت متكررة تترسخ فى ذهن المتلقى كلما ترددت بأشكال مختلفة، وغالباً ما يكون الثمن باهظاً، ليس فقط مادياً ولكن أيضاً بسقوط الصحفيين ضحايا وشهداء.

كلنا رأينا جماعة الإخوان بعد أن خسرت معركة السلاح التقليدى، لجأ فلولها لمعركة أخرى بالسلاح الأحدث، وحاولت -ولا تزال- بكل الطرق أن تضرب فى استقرار الدولة المصرية من خلال بعض المحسوبين على مهنة الصحافة والإعلام الهاربين للخارج، وهنا كان لا بد من ذوى العقول أن يفكروا للحظات، ماذا يريد هؤلاء من وراء ادعاءاتهم بالأخبار المزيفة والفيديوهات المفبركة وصولاً إلى استخدام الألفاظ المشينة فى حق المؤسسات والأشخاص؟ ومن يدفع كل تلك الملايين من الدولارات فى مقابل ذلك؟

من هنا وفى ظل التأثير غير الخفى لوسائل الإعلام القوية والمهنية، كان لزاماً على مصر أن يكون لديها ذراع إعلامية وطنية تستطيع أن توازن بين المعرفة والدور الوطنى الذى يسعى فى الأساس إلى صناعة الاستقرار ودعم التنمية ومواجهة الشائعات والتضليل بالحقائق والأرقام والمعلومات والتحليلات، بهدف لا يقل أهمية عن أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فى بداية انطلاق قناة «القاهرة الإخبارية» ظهرت أصوات كثيرة تنتقد وتسخر وتسفه، وتوقعات بأنها لن تجارى القنوات الإخبارية الرصينة صاحبة التاريخ الإعلامى فى المنطقة العربية، والتى يلجأ إليها المتابعون فى كل الدول العربية وخارجها لمعرفة الأخبار عن الأحداث الدائرة، لكن أثبتت «القاهرة الإخبارية» فيما بعد أنها تستطيع أن تغطى الأحداث بحرفية من خلال إعلاميين كبار، ومذيعين متميزين أصحاب خبرات فى التناول الخبرى والإعلامى، وأيضاً من خلال الوجود فى كل أماكن الأحداث بشبكة مراسلين قوية وحاضرة.

كانت الخطوة مهمة فى ظل تلك التحديات التى يواجهها العالم العربى والشرق الأوسط بشكل عام، ومصر بشكل خاص، والدافع وطنى ولا يخفى على أحد أن الانحياز الضرورى فى صوت مصر ليس لأحد إلا لمصر ومصالحها، لكننا لا ننكر أننا أصبحنا نبحث عن الأخبار والأحداث، حتى نصل فى بحثنا إلى قناة إقليمية مصرية خالصة استطاعت فى وقت قصير أن تحجز مكاناً بين الكبار، وهو مدعاة للفخر وتمنى الأفضل لكل ما يحمل اسم مصر وعاصمتها.