مين يشتري الورد من رفح؟

خديجة حمودة

خديجة حمودة

كاتب صحفي

أمام نافذة حجرة النوم كان يزورنا يومياً ذلك الطائر الجميل يهدهد بصوت ناعم خجول وكأنه يحكى لى أحداث الأمس وما ينتظره اليوم ويحرك أجنحته الملونة، فأشعر أننى أشاهد فراشة دقيقة رقيقة تغازل الصباح، واكتشفت ذات يوم أنه بنى بيته أعلى حجرتى وفيه وضع بيضه وخرجت صغاره لتشاركنا البيت والنسيم الناعم الصباحى ولتسمعنا حكايات اليوم وتراقب الورود التى اعتدنا جمعها وتصديرها للعالم فى جميع مراحل نموها. وفجأة ذهب الصديق بلا رجعة، رحل مع النازحين وكأنه يعاقبنا على العجز والخوف الذى انتابنا جميعاً، رحل بحثاً عن الأمان، فقد أزعجته أصوات البيانات العسكرية تتسلل إليه من النافذة التى اعتاد أن ينظر من خلالها إلينا.

كتبت تلك الكلمات إحدى سيدات مدينة رفح، التى اشتُهرت بتصدير الورد والتوت البرى واللوز والحمضيات وصناعة الحلوى والألبسة التراثية. كتبت كلماتها الحزينة بعد أن قرأت ومعها سكان المدينة والمناطق المحيطة، بل والعالم كله، ما جاء فى تقرير صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نقلاً عن دراسة أجرتها الجامعة العبرية بتل أبيب، الأسبوع الماضى، أن نيران الحرب الإسرائيلية تتجه إلى قطاع غزة صوب مدينة رفح الفلسطينية جنوباً فى مرحلتها الثالثة، حيث أكد التقرير أن رفح هى المدينة المستهدَفة فى المرحلة الثالثة للهجوم، وأن ممارسة المزيد من الضغط العسكرى هو الشىء الوحيد الذى يمكن أن يُعجّل بإطلاق سراح الرهائن، وقد تضمّنت الدراسة تدمير ما يقرب من ٤٠% من ٢٨٢٤ مبنى فى غزة تقع على بُعد كيلومتر واحد من الحدود الإسرائيلية مع غزة، فى إطار خطة بناء منطقة عازلة تمثّل للمسئولين الإسرائيليين إجراءً أمنياً لطمأنة الإسرائيليين بأنهم يستطيعون العودة بأمان إلى البلدات والمستوطنات فى غلاف غزة، والتى تم إخلاؤها بعد هجوم ٧ أكتوبر.

وبعيداً عن الدراسات الإسرائيلية، فالتاريخ يحكى قصة واحدة من أجمل المدن الفلسطينية التاريخية القديمة التى أنشئت قبل خمسة آلاف سنة -قصتها مع الحرب- فقد غزاها قديماً الفراعنة والآشوريون والإغريق والرومان. وقد عُرفت رفح بالكثير من الأسماء على مر العصور، فقد أطلق عليها اليهود اسم «روبيهوى»، بينما سمّاها الآشوريون «رميخو»، وأطلق عليها الرومان «رافيا»، وكان الاسم العربى لها «رفح». ومما زاد أهميتها عبر التاريخ مرور خط السكة الحديد الواصل بين القاهرة وحيفا فى أراضيها، الذى اقتُلع بعد عام ١٩٦٧.

وقد مرت المدينة بأحداث تاريخية مهمة منذ العصور القديمة، وذلك لتميز موقعها الذى يُعتبر البوابة الفاصلة بين مصر والشام، ففى عهد الآشوريين والفراعنة تحالفوا مع ملك غزة، وقد آل النصر فى هذه المعركة للآشوريين عام ٢١٧ قبل الميلاد، حيث حدثت معركة فى رفح بين البطالمة، حكام مصر، والسلوفيين حكام الشام، وبذلك خضعت رفح وسوريا لحكم البطالمة مدة ١٧ عاماً، إلى أن عاد السلوفيون واسترجعوها. وفى العهد المسيحى اعتبرت رفح مركزاً للأسقفية حتى فتحها المسلمون العرب على يد عمرو بن العاص. وقد مر بها نابليون عام ١٧٩٩ فى حملته الفرنسية على بلاد الشام، كما زارها كل من الخديو إسماعيل والخديو عباس حلمى الثانى الذى رسم الحدود بين سوريا ومصر من خلال عمودى جرانيت وضعا تحت شجرة السدر القديمة.

وفى عام ١٩١٧ خضعت رفح للحكم البريطانى الذى فرضه الانتداب على فلسطين، وفى ١٩٤٨ دخل الجيش المصرى رفح وبقيت تحت الإدارة المصرية، إلى أن احتلها اليهود عام ١٩٥٦، ثم عادت للإدارة المصرية عام ١٩٥٧ حتى عام ١٩٦٧، حيث احتلها اليهود. وبعد اتفاقية كامب ديفيد استعادت مصر سيناء ووضعت أسلاكاً شائكة لتفصل رفح سيناء عن رفح الأم. ولا ينسى الأجداد فى رفح أنه بعد إنشاء مخيمات اللاجئين فى عام ١٩٤٨ جاءت حرب ١٩٥٦، التى شاركت فيها إسرائيل وبريطانيا وفرنسا، حيث قتل فيها ١١١ شخصاً على يد الجيش الإسرائيلى فى مذبحة لم تتمكن الأمم المتحدة من تحديد الظروف المحيطة بالقتلى، وأثناء حرب ١٩٦٧ استولت إسرائيل على رفح، وقام جيش الاحتلال بتجريف وتفجير ١٤٤ منزلاً فى مخيم رفح، وفى صيف ١٩٧١ قام «شارون» الذى كان حينها رئيساً للقيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلى، بتدمير ما يقرب من ٥٠٠ منزل فى مخيمات اللاجئين فى رفح، لإنشاء طرق دوريات للقوات الإسرائيلية.

ويأتى مايو ٢٠٠٤ لتوافق الحكومة الإسرائيلية على هدم جماعى للمنازل فى رفح، وهو ما عُرف بمصطلح «الجرافة». والآن ينتظر أهلها الحل العادل لتبقى منازلهم آمنة فى أمنية قد تتحقّق!