في معنى رجل الدولة (1)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

فى خمسينات القرن العشرين، وصف أحد الوزراء الفرنسيين واحداً من قادة الحياة السياسية آنذاك بأنه من الزعماء، وامتعض «رينيه كوتى»، رئيس الجمهورية الفرنسية الرابعة من (يناير 1954 إلى يناير 1959)، وعقّب: «إنه ليس سوى رجل عادى بسيط من رجال السياسة، ولا يمكن اعتباره رجل دولة»، فسأله وزير آخر: «وما الفرق سيدى الرئيس بين السياسى ورجل الدولة؟»، وأجاب «كوتى»: «الفرق بسيط وواضح.. رجل الدولة يعمل من أجل بلاده. والرجل السياسى يريد من بلاده أن تعمل من أجله».

تذكرت هذه القصة بعد أن غادرت جلسة ضمّت جمعاً لا يشق له غبار، كان من بينهم كتاب وصحفيون وقادة حزبيون، وسياسيون مستقلون، ولم يتفقوا جميعهم على مفهوم رجل الدولة، وكان أغلبهم على قناعة تامة (لا أعرف كيف تكونت؟!) بأن رجل الدولة لا بد أن يكون من أصحاب المناصب الرسمية كالوزراء والمحافظين ومن فى مستواهم.

من أكثر العِبَارات الراسخة فى علم السياسة أن كل رجل دولة هو رجل سياسة، وليس كل رجل سياسة رجل دولة، تلك العِبَارة تؤسّس لضرورة أن من يستحق أن يُطلق عليه رجل دولة، لا بد أن يكون بداهة رجل سياسة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وعليها يمكن الوصول ببساطة إلى مكمن الخطورة فى قناعة الكثيرين بأن رجل الدولة هو رجل السلطة الرسمية وفقط، حتى إن كان من غير السياسيين.

فى مصر على سبيل المثال، مررنا بفترات عصيبة، على مدى عشرات السنين، ووقفت البلاد على حواف أزمات كبرى نتيجة سقطات بعض الوزراء وكبار المسئولين، لأنهم -رغم مناصبهم- لا يمكن وصفهم برجال الدولة، وبسبب أخطائهم، أضاعت الدولة الكثير من الوقت، وبذلت جهوداً فائقة، لتجاوز آثار تلك الأزمات.

مع بداية أحداث 25 يناير، تصدّر المشهد رجال سياسة، كل منهم خلفه تاريخ نضالى طويل لا يمكن إغفاله أو تجاهله، سواء فى اتحادات الطلاب، أو النقابات العمالية والمهنية، أو العمل الأهلى، أو الأحزاب، وكلها مسارات تعتمد على كسب رضاء الجماهير، وتطورت الأحداث ووصل بعضهم إلى السلطة، ولأن من وصل -مع وجود الاستثناء بالطبع- ليس رجل دولة، فقد مارس مهامه بأفق السياسى وليس بعقلية رجل الدولة الحريص على مصلحة حزبه أو جماعته، وإرضاء الرأى العام، وإن تعارض الحصول على هذا الرضاء مع مصلحة الدولة نفسها، وكانت الكارثة بوصول جماعة الإخوان الإرهابية، ولم يكن من بينهم رجل دولة واحد، واعتبروا السلطة مغنماً للجماعة، ومارسوها بحسابات أيديولوجية ضيقة، ولحساب منابع تمويلاتهم، وكادت مصر أن تضيع لولا ثورة 30 يونيو، التى أنقذت المنطقة بأكملها من الانهيار والتفكيك المخطط لها سلفاً.

الحالة الشعبوية التى صاحبت أكذوبة «الربيع العربى» أفقدت الأمور معناها الدقيق، ودفعت بعض من يجيدون فقط القراءة والكتابة، وبعض العاطلين، إلى مكانة زائفة، وكل منهم عاش فى دور رجل السياسة، الذى تقلّص عند حدود اللعب بـ«البيضة والحجر»، وتهييج الجماهير، وحشدهم خلف حزبه، أو جماعته، والتحالف مع المتناقضين، ويجب ألا ننسى اتفاق «فيرمونت»، الذى شارك فيه من رجال السياسة من تنطبق على من حسنت نيته فيهم مقولة «لا يرى أبعد من أرنبة أنفه»، كأفضل وصف فى اللغة العربية لقصير النظر. رجل الدولة ليس شرطاً أن يكون مسئولاً فى الدولة، وقد يكون زعيماً لحزب، أو موظفاً مدنياً، أو رجلاً عسكرياً، أو تاجراً، أو رجل أعمال، أو مفكراً، إنه رجل يمتلك مهارات وقدرات خاصة، ويتسامى عن مصلحته الشخصية، وينظر فقط إلى كل ما حوله، ومن حوله، ارتباطاً بمصلحة الدولة وشعبها.

وللحديث بقية.