سر «أفراح القبة»
تأملت صورة الأستاذ نجيب محفوظ التى تزين حائط مكتبى بين صحبة العشاق، ثم التفت إلى صفوف الكتب حولى، وأمضيت لحظات حائراً، حتى وقع نظرى على «أفراح القبة»، فاختطفتها وارتميت بين صفحاتها، لأقضى ليلتى على خشبة مسرح «سرحان الهلالى» العبثى، وبين حكايات أبطاله الخمسة: طارق رمضان، كرم يونس، حليمة الكبش، وعباس كرم يونس، وحبيبته تحية.
سبب الانجذاب بالطبع معروف، وهو شهرة الرواية المنشورة عام 1981 بعد التحول الفذ تليفزيونياً عام 2016، وهو ما جعلنى مدفوعاً لأسترجعها من جديد. روائياً وبصرياً.
قرأت «أفراح القبة» هذه المرة بشكل مغاير. غرقت أولاً بين سطور الرواية، ثم مع أبطالها تليفزيونياً، فى محاولة لفهم كيف بثّوا فى أوراقها من فنهم وإبداعهم، ليحولوها إلى حياة نعيشها معهم، ومع هذه الفرقة التمثيلية الفريدة، محاولاً فهم سبب اختيار «الأفراح» وسر استدعائها من هذا «الرف القديم» لتقديمها لجمهور فضاء آخر لا علاقة له بفضاء محفوظ وتردداته.
أعدت مشاهدة المسلسل التليفزيونى، وتوقفت أمام عشرات المشاهد أعيدها أكثر من مرة، مستمتعاً بكل تفاصيل هذا العمل المهم فى تاريخ الدراما العربية، لقد كان إعصاراً فنياً، الفشل فيه يساوى الموت، هكذا تعامل صناع هذا العمل الفذ.. الصعب.. الممتع.. البسيط.. العميق.. المسرحية.. الرواية.. القصيدة.. والمسلسل.
لا شك أنها كانت مشقة ومسئولية كبيرة، مسألة تقديم هذا النص المحفوظى العبقرى، لكنه كان لها، المخرج المبدع محمد ياسين، وكذلك جميع أفراد فرقة «أفراح القبة»، فكان مسلسلاً على أروع ما يكون، عملاً يليق بقامة محفوظ الروائية وقيمة ياسين الفنية، وبلغ فيه الأداء التمثيلى نجاحاً وتوهجاً لم يصل إليه عمل تليفزيونى من قبل، وسيتوقف تاريخ التمثيل كثيراً عند مُنى زكى فى أدائها لدور «تحية عبده»، وكذلك إياد نصار وصابرين وصبرى فواز وجمال سليمان وكندة علوش وسوسن بدر، وتربّعهم جميعاً على عرش الأداء التمثيلى الراقى، ولا يليق أن نغادر أفراح القبة (المسلسل) دون الإشادة بكاتبى السيناريو محمد أمين راضى ونشوى زايد على الإبداع الملهم فى الورق.
وقد استلهم فريق المسلسل تيمته من شخصية بطل «القبة» الرئيسى، المؤلف المسرحى عباس كرم يونس، الابن الوحيد لكرم وحليمة، عضوى الفرقة المسرحية التى تتوالد بين أعضائها حوادث الرواية وصراعاتها، فى مزج متصل بين ما يجرى على خشبة المسرح وشقة كرم فى باب الشعرية، ويكشف عباس علاقته بالفن قائلاً: «يا له من عذاب! الفشل فى الفن موت للحياة نفسها. هكذا خُلقنا»، ويكمل: «الفن بالنسبة لى ليس فناً فحسب، ولكنه البديل عن العمل الذى طمح إليه المثالى العاجز. ماذا فعلت لمقاومة الشر من حولى؟».
وتتفجر دراما الرواية من خلال العمل المسرحى الذى وُلِد من رحم الواقع داخل خيال المؤلف، الذى انتحر بعد نجاح مسرحيته الأولى.. لكنه لم يمُت، فلقد بقيت كلمات عباس تتنفس فى رواية محفوظ: «إنى أُدمن الحلم كما يُدمِن أبى الأفيون. بالحلم أُغيِّر كل شىء وأخلقه»، «تعودت أن أقبع فى الظلام فى حجرتى لأرى الأشياء؛ لا تُرى الحوادث على حقيقتها فى بيتنا إلا من الظلام!».
نعم، عباس هو بطل الحكاية، ابن كل زمان، وإن تغير المكان، أمل «ملائكى» يولد من رحم البؤس الذى نحياه، يكبر ويترعرع وسط أحراش الدنيا وأوحالها، ورغم ذلك نرجو له مستقبلاً مغايراً، يدهشنا عندما يصبح جزءاً من فسادنا، ونفجع من خطيئته ثم نبكيه حين تسدل ستار النهاية.
التهمت القبة وأفراحها، وجلست بعدها وحيداً يتردد بداخلى صدى كلمَتَى أم عباس لصغيرها: «كن ملاكاً»، لونت وجدانى بألوان راقصة تلاعبت بأفكارى فى الفضاء، خرجت بعدها للشارع أتطاير مع دخان سيجارة أشعلنى مثل رواية محفوظ.. التى أعادتنى من جديد درويشاً من مريدى شيخ الرواية العربية وأديبها النجيب والأشطر، رحمه الله.