شجاعة حمدي السيد وخطيئته!!
رحم الله د. حمدى السيد الطبيب الكفء.. النقابى المخضرم، النائب الخدوم وصاحب المواقف.. أجريت معه عدة حوارات تليفزيونية وصحفية، وتابعته عن قرب فى مجلس الشعب؛ نائباً جسوراً يمتلك أدواته، دخل معارك ضد شركات الأدوية، والجامعات الخاصة لإجبارها على إنشاء مستشفيات لتدريب الطلاب قبل تخرجهم، وضد شركات السجائر.. وقاد حملات كبيرة لمنع التدخين.
كان د. حمدى السيد عالماً نزيهاً لم تطله حتى شائعات الفساد، وصاحب مبدأ ورأى حر، وكانت كلماته تحت قبة البرلمان لها تأثير كبير، فهو من نواب الأغلبية المعدودين الذى كان يرفض مد الطوارئ. ورغم أن دائرته تحمل اسم قسم النزهة، لكنها كانت تضم مدينة السلام والمرج وهى مناطق فقيرة كانت دائماً فى احتياج إلى خدمات كثيرة، لذلك قرر د. حمدى أن يقتطع يوماً من عيادته «أعتقد يوم الاثنين» للقاء الجماهير فى دائرته التى نجح فيها على مدى أكثر من ثلاثين عاماً باستثناء مرتين؛ الأولى طعن فيها بالتزوير واستطاع العودة بعد 6 أشهر إلى البرلمان بحكم القضاء وهى من المرات النادرة التى يسمح فيها مجلس الشعب بذلك ..والمرة الثانية عندما أُسقط فى 2010 لينجح بدلاً منه مرشح الإخوان مجدى عاشور، الذى خرج وقتها من بيت الطاعة الإخوانى بعد أن قررت الجماعة الانسحاب من جولة الإعادة فى مشهد غريب وغير متوقع.
سافر طبيب القلب الشهير ونقيب الأطباء بعد الانتخابات مباشرة، وفور عودته أجريت معه حواراً صحفياً نُشر بجريدة «المصرى اليوم» فى 15 ديسمبر 2010 تحت عنوان «حمدى السيد: أتوقع حل المجلس بعد الانتخابات الرئاسية»، وأكد خلاله أن معظم القامات الكبيرة فى المجلس تم التخلُّص منها، وأبدى غضبه من أن يتم استبداله بمرشح حاصل على إعدادية وآخر على دبلوم صناعة، قائلاً: هذه ليست انتخابات، بل تزوير، وعندما سألته عن علاقته بالإخوان خلال الانتخابات، قال: «لم أتصل بأحد منهم إطلاقاً لأنى متهم دائماً بالتنسيق معهم».
وللحقيقة هذه أكبر تهمة أو خطيئة واجهت د. حمدى السيد طوال تاريخه السياسى أو ممارسته للعمل العام كما كان يفضل هذا الوصف، لكن د. حمدى كان شجاعاً عندما اعترف بخداعهم فى مقالين نشرهما بداية عام 2020 بجريدة «الوطن» التى ظل يكتب بها على مدى عامين تحت عنوان «الإخوان المسلمين والتقية 2-2»، وكشف أنه تدخل بطلب من عصام العريان نهاية التسعينات لترتيب لقاء لهم مع رموز نظام مبارك للتفاهم، لكن لم يستجب أحد، فقرر اللجوء إلى حبيب العادلى، فكانت إجابته: لا تنخدع يا دكتور حمدى بهذه الادعاءات، فهم لا يظهرون ما يبطنون. الاتفاق هو أن يتولى الإخوان النشاط السلمى، أما النشاط الإجرامى والإرهابى فيتولاه آخرون، وفى وقت اللزوم يتم ضم الصفوف ويتحدثون بلسان واحد.
الخلاصة كما أوردها د. حمدى فى مقاله: استخدم الإخوان التقية فى خداع الوطن والمواطنين، وكنت أنا على رأس المخدوعين وتعاملت على أساس أنهم من المخلصين للوطن فى الوقت الذى أباحوا فيه حدود مصر للإرهاب من الداخل والخارج.
أواخر عام 2021 نجح زميلنا الموهوب إمام أحمد فى إجراء حوار مع د. حمدى السيد هو الأول بعد فترة عزوف منذ ثورة 2011، وخلال الحوار اعترف د. حمدى بأنه قاد مبادرة ليقدم الإخوان إلى الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وسأله «إمام»: هل أنت نادم الآن؟ فقال: طبعاً، اكتشفت أنى كنت مغفل وحبيب العادلى، وزير الداخلية، كان عنده حق.. وفى سؤال آخر: هل تغير الإخوان تجاهك بعد 25 يناير؟ قال د. حمدى: تغيروا مين الإخوان بقوا ناس تانية ولا كأنى أعرفهم بعد ثورة يناير. ذهبت إلى مقرهم فى المقطم، وقلت لنفسى: انت ليك دلال عند الناس دى وهيسمعوك، لم يجلس معى أحد. مشى عصام العريان وقابلت ناس صغيرة فى الجماعة ووقتها عرفت الرد وقلت سبحان الله.. واستطرد د. حمدى فى رده على سؤال آخر: بماذا شعر أثناء مشاهدة الأحداث فى التليفزيون؟ قائلاً: شعرت بأننى انضحك علىّ وأن حبيب العادلى كان محقاً 100٪ وأنا كنت مخدوعاً 100٪، عرفت أن الإخوان كانوا يمارسون التقية وهى أن تظهر غير ما تبطن، كل إخوانى قابلته كان عامل نفسه «رجل محترم»، ثم اكتشف أنه مجرم وإرهابى وسافل 100٪، لكن الجانب المشرق الوحيد أنه لولا أحداث يناير ما عرفنا الإخوان أبداً.. هذه السنوات بعد 2011 كشفت الإخوان للمخدوعين من أمثالى، وأنا طبيب كبير وسياسى له تاريخ فما بالك بالعوام والناس الغلابة الذين خدعوهم بأنهم «بتوع ربنا» ثم اكتشفوا أنهم مجموعة من الخونة والمتآمرين والإرهابيين، هذا ترتيب ربنا حتى يظهر الإخوان.
انتهت شهادة د. حمدى الذى دفع ثمن تعاطفه مع الإخوان أو على الأقل عدم تصديه لهم بالسقوط فى انتخابات 2010.. والتى كنت أتمنى أن يعزف عنها، خاصة أننى سمعت منه كثيراً قبلها بسنوات نيته عدم الترشح بسبب إرهاقه وهو ما توافقت معه أسرته، وفى حواره معى بعد انتخابات 2010 قال: «المشهد العام مش مريح»، طبعاً فكل أصحاب الرأى فى المجلس ثم التخلُّص منهم. هناك واحد طبعاً كان عاقل جداً وتخلص من المجلس من تلقاء نفسه، وكان أعقلنا، وهو حمدى الطحان. والحقيقة أنا حاولت أقنعه وقلت له خسارة ألا تكون فى المجلس، لكنه قال: «مين قال لك إن المجلس عايز أمثالنا؟».
رحم الله د. حمدى السيد الذى كان قدوة للكثير من الأطباء بكفاءته العلمية وخلقه ونزاهته وكان قريباً من فقراء دائرته وصفوتها أيضاً وصاحب قضية وضمير وطنى.. وقد علمنا درساً جديداً، نتيجة لخبرته بالتعامل مع الإخوان عقوداً سواء فى النقابة أو مجلس الشعب.. الإخوان جماعة إرهابية لا عهد لها..