بين التاريخ والدراما.. «نظام الملك» الضحية الأكبر

عصام زكريا

عصام زكريا

كاتب صحفي

كما فى كل عمل درامى يتعلق بالتاريخ، تثار الاعتراضات والانتقادات من قبل المؤرخين ومحبى القراءة فى التاريخ، على بعض «الأخطاء» التاريخية فى مسلسل «الحشاشين».

الأمر لا يقتصر على الأعمال المصرية، فخلال العام الماضى، مثلاً، أثيرت أشكال من الجدل حول فيلمى «أوبنهايمر» و«نابليون» ومسلسل «التاج» تزيد صخباً وعنفاً عما يثار حول «الحشاشين»، ولكن مع فارق واحد هو أن الهدف ليس النيل من هذه الأعمال، بقدر ما هو التعريف بأن هناك معلومات ووجهات نظر أخرى يجب معرفتها وعدم الاكتفاء بما تعرضه هذه الأفلام والمسلسلات.

أى شخص جرب أن يحول قصة تاريخية إلى دراما يعرف مدى صعوبة الأمر، وقد ثارت هذه المشكلة فى عالمنا العربى منذ أن قام جورجى زيدان بتحويل بعض القصص التاريخية إلى روايات.

التاريخ شىء، والدراما شىء آخر، وكاتب الدراما ملزم فنياً وإنتاجياً، بصياغة حبكة مشوقة وشخصيات واضحة المعالم تلعب أدواراً واضحة فى هذه الحبكة، وتتباين فيما بينها لإبراز الصراع بين الخير والشر، كما تتطلب وجود علاقات إنسانية بين هذه الشخصيات تتراوح بين المنافسة والحب، وكل هذه الأشياء لن تجدها فى كتب التاريخ التى تكتفى بذكر الوقائع والأحداث الكبرى فقط، ومن وجهة نظر كُتاب هذا التاريخ، الذين لديهم أيضاً انحيازاتهم ووجهات نظرهم التى يلوّنون بها هذه الوقائع والأحداث. وكاتب الدراما يجد نفسه دوماً أمام عشرات الاختيارات والقرارات التى يجب عليه اتخاذها فى كل حدث وواقعة وجملة حوار، وعليه أن يملأ بخياله ووجهات نظره عشرات المناطق الخالية التى لا يذكرها التاريخ.

وعلى سبيل المثال: تركز دراما «الحشاشين»، وفقاً لاختيار صُناعه، على شخصية حسن الصباح، بينما تركز رواية «سمرقند» التى كتبها أمين معلوف حول الفترة نفسها والشخصيات على عمر الخيام. ولو كان لى أن أختار فإن الشخصية الأكثر درامية، بل وأهمية تاريخية من «الصباح والخيام» هى شخصية قوام الدين أبوعلى الحسن الطوسى الشهير بـ«خواجة بزك» أو «نظام الملك»، التى يؤديها فى «الحشاشين» فتحى عبدالوهاب.

كان «نظام الملك» رجل سياسة وإدارة من الطراز الأول، وهو العقل المدبر والمنظم للدولة السلجوقية تحت حكم ملك شاه، السلطان الساذج الذى تولى العرش وهو لم يبلغ العشرين بعد، فكان «نظام الملك» مستشاره وناصحه وصاحب القرارات الأهم فى بناء الدولة.

وربما لا يعلم القارئ أن «نظام الملك» هو مؤسس أول «مدرسة» فى التاريخ، والتى تحمل إلى اليوم اسمه فيما عُرف بالمدارس النظامية، وقد أخذت أوروبا، وبعدها العالم، نظام المدارس والجامعات من تجربته الرائدة.

«نظام الملك» كان أيضاً أول مؤسس لأول مرصد فلكى فى العالم قام على بنائه عمر الخيام بتمويل ودعم من «نظام الملك».

ولـ«نظام الملك» كتاب فى فن الحكم عنوانه: «سياست نامة» يماثل كتاب «الأمير» لميكافيللى فى أوروبا، مع الفارق أن كاتبه كان سياسياً بارزاً مجرباً، وليس مجرد كاتب مثل ميكافيللى.

«نظام الملك» هو الصانع الأول لإمبراطورية السلاجقة، التى كانت أقوى إمبراطورية فى عصرها، وهو أيضاً أكبر ضحايا الصراعات السياسية التى راحت تضرب هذه الإمبراطورية من الخارج والداخل، وقد قُتل غدراً على أيدى «حشّاشى» الصباح.

فما أجدره بمسلسل آخر يعيد إليه الاعتبار!