دفاعا عن التنوير.. فكر الإمام العلامة ميثاق شرف للعالِم المعاصر
أعظم عبادة لعالم هى الوراثة المحمدية التى يرث فيها حضرة النبى، صلى الله عليه وآله وسلم فى ميراثه الدائم الجارى بالنور إلى العالمين وهو العلم، فقد كان سيدى نور الدين الأستاذ الدكتور على جمعة وارثاً محمدياً بحقٍّ، لأنه حافظ على الميراث نَضِراً منيراً بسند متصل عن العدول، بل استثمره كأكابر الوُرَّاث المحمديين من أمثال الأئمة أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد والغزالى والنووى، حيث أنشأ مدرسة علمية كاملة الأركان يشهد لجودة ثمارها كل من له دراية بذلك الميراث المحمدى.
أشعر دائماً بالمدد المحمدى للإمام العلامة كلما وجدته يتكلم عن العلم والحياة، وكان أصدق تعبير وجدته لبيان الحالة النورانية المعرفية التى تغمر من يستمع إليه عندما يتكلم عن نظرته لتنمية الحياة بالعلم أنه فى كل كلمة يعطر بها أسماع من يريد خيرى الدنيا والآخرة يضع خارطة طريق لغزل العلم بالحياة والاجتماعى بالدينى. وباعتبارى أحد ثمار هذه المدرسة فسأقوم بصياغة ما وضعه الإمام العلامة ليكون ميثاق شرف لكل عالم يريد أن يكون خادماً لمجتمعه، فيؤسس وعى شعبه، ويحافظ على المنهج الرشيد فى تدين أبنائه ويولد العلوم التى تنهض به، ويحرس منظومة قيمه، وداعماً لتنمية أمته الخاصة فى وطنه.
ففى ميثاق الشرف، نريد أن ندرك الواقع بتركيبته المتشابكة المختلفة وكيف نحلل هذا الواقع ونفهمه بعمق؟ ونريد أن ندرك النص سواء كان مقدساً أو من اجتهاد البشر وكيف نعيش عصرنا وكيف نخدم مصرنا، ونستعمل كل المتاح من أدوات فى تحقيق مهمة عمارة الأرض التى كلفنا الله بها.
وفى مدرسة مولانا، فالقرآن كتاب هداية للعالمين، ونقول بنظرية النسخ ومفهوم المحكم والمتشابه والتى تبقى القرآن الجليل كله بعيداً عن النسخ بمعنى الإزالة والرفع لا فى أحكامه ولا فى آياته المتلوة، فجميع آيات القرآن الكريم محكمة وليست فيها آية واحدة نسخت فالكل محكم، ونقول أيضاً بالدلالة المستقلة لآيات القرآن الكريم، كذلك إبراز المبادئ القرآنية.
وفى مدرسة مولانا نرتب المقاصد الشرعية، فالأولى حفظ النفس ثم العقل ثم الدين ثم العرض ثم المال، وندعو إلى الفهم العميق للنموذج المعرفى الإسلامى، باعتباره مدخلاً فعالاًّ فى بيان حقيقة هذا الدين للعالمين، وندعو لمراعاة نظرية الشروط واعتمادها لأهميتها البالغة فى فهم النصوص الشرعية وتنزيل الأحكام الشرعية، ولا نقف عند الظواهر فقط وإنما نتجاوزها إلى حقائق العلم، كذلك واجب الوقت الآن هو البيان وليس الرد ولا الهجوم، ونضع نصب أعيننا أنه «لا إكراه فى الدين»، ولذلك لا نسعى لإزاحة جنس أو عرق أو دين أحد من البشر، فالكل عباد الله ما دام لم يعتد علينا، ونبرز علاقة الإفتاء بالواقع بعوالمه الخمسة، عالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الأفكار وعالم الأحداث وعالم النظم الذى أضفناه، حيث مثلث الفتوى الواقع والنص والوصل بين الاثنين.
فى مدرسة مولانا نفرق بشكل واضح بين النص وتفسير النص وتطبيق النص، وأن أركان المنهج الأزهرى العقيدة الأشعرية والمذهبية الفقهية والتصوف الرشيد، وندعو لتطبيق لفهم نماذج أربعة باعتبارها أساساً للتعايش وتفاعل المسلم مع العالمين، وهى نموذج مكة، نموذج الحبشة، نموذج المدينة الأول، نموذج المدينة الثانى، ونرى أن هذه النماذج تصلح للتطبيق فى أى مجتمع إنسانى وتصل به إلى حالة من التعايش والسلم المجتمعى.
فى مدرسة مولانا ندعو إلى حب الحياة والإنسانية، وضرورة إعادة الاعتبار للسيرة باعتبارها مدخلاً مهماً لفهم الدين ونموذجاً أصيلاً لتطبيق الأحكام الشرعية، ونقدر أهمية القيم فى حياة الإنسان، ونعتقد أن مواجهة أفكار الجماعات المتطرفة واجب شرعى، ويتم ذلك من خلال كشف عوارها وتفكيك أفكارها بمثل الكلام عن فكر الهرم المقلوب والدين الموازى.
نؤمن بضرورة استثمار قيمة الوطنية فى التحفيز لإبراز محاسن الدولة، ونرى أهمية إظهار وبيان السنن الإلهية كمصدر للفهم وأساس من أسس التربية، ونؤمن بأن التجديد فى الفكر الإسلامى سنة ماضية، يحمل العمل بها على عاتقه ثلة من خلاصة علماء الأمة يقومون بواجبات كثيرة، كذلك لا بد من العمل على الاتزان الفقهى، فنتوازن بين ضرورة تأهيل الفقهاء عبر المذاهب الفقهية المعتبرة، وأن الاختلاف بين الفقهاء ولد سعة فقهية كبيرة، ومن ثم علينا أن نستفيد بالمذاهب الفقهية المعتبرة.