ثقافة مصر في الجمهورية الجديدة

انطلقت ثورة يونيو 2013 من تراكم ثقافى كبير داخل الشخصية المصرية التى تكونت عبر مئات القرون وشكلت وعياً وفهماً لطبيعة ودور المصرى عبر العصور، وفى كل مرحلة من مراحل هذه الأمة المصرية كان البناء الثقافى يزيد المصريين وعياً وفهماً بالهوية المصرية التى تميزت عن غيرها من شخصيات الأمم المجاورة لمصر.

ومع كل محنة كانت تمر بها مصر فى عصورها المختلفة كان التراكم الثقافى هو طوق النجاة للمحافظة على الهوية وتحديد بوصلة العمل إزاء المحن وإبداع حلول لها. وفى وقتنا الحاضر وعندما بدا أن مصر على وشك أن تتعرض لتجريف شخصيتها وهويتها الفريدة التى تتميز بها كانت ثقافة المصرى حاضرة بقوة فى المشهد وقادت حراكاً قوياً ومؤثراً وجارفاً للمخاطر التى ظهرت مع وصول الجماعة الإرهابية للحكم فى 2012.

إن ما حدث فى 2013 بدوره الثقافى زاد من الوعى بأهمية تطوير العمل الثقافى وتكريس الوعى والفهم لكل ما يكتنف الأمة المصرية من مخاطر تتغير وتتطور بتطور أطماع المتربصين على اختلاف تنوعهم وتوجهاتهم.

كما أن الانطلاق نحو بناء مصر الحديثة من خلال الجمهورية الجديدة التى وضعت نصب أعينها استعادة مكانة مصر ووضعها فى مكانها الصحيح بين الأمم القوية المعتزة بمبادئها وإنجازاتها وبقيمها ودورها الحضارى يحتاج وعياً وثقافة مختلفة أكثر تفاعلاً وفهماً بأدوات المستقبل ومرتكزة على أصول ثابتة تمتد جذورها إلى عصور نشأة الحضارة المصرية القديمة.

لذا أطلق الرئيس عبدالفتاح السيسى استراتيجية مصر 2030 وكان محور بناء الإنسان المصرى بانى الجمهورية الجديدة أهم محاورها، ولم يسند هذا الملف الخطير لمؤسسات وزارة الثقافة المصرية وحدها بل ضمت إليها وزارات ومؤسسات مهمة مثل الشباب والرياضة والتربية والتعليم والتعليم العالى والبحث العلمى والأوقاف والسياحة والآثار والتضامن الاجتماعى والأزهر والكنيسة المصرية.

لقد سارت مصر خلال عشر سنوات منذ 2014 وحتى 2024 بخطوات واثقة فى ملف التمكين الثقافى للمصريين واستطاعت أن تنجز الكثير، فظهرت إلى النور مدن ثقافية عملاقة فى العاصمة الإدارية والعلمين والمدن الجديدة وفى أقصى جنوب مصر وأوسطها وشمالها، إلا أن أحلام المصريين الثقافية فى الجمهورية الجديدة أكبر وأكثر وأعمق ولا تقف عند ما تم إنجازه فأحلام المصريين تتخطى عنان السماء.

لذا فما زال العمل الثقافى يحتاج إلى إنجازات وأعمال محسوسة وملموسة فى كل مكان على أرض مصر، بل وفى كل بقعة على الكرة الأرضية التى يجب أن تدرك أن هناك ثقافة جديدة وفكراً جديداً لجمهورية فتية جديدة قائمة على البناء والتطور والتسامح والتعاون وبناء الإنسان.

ما زال لدينا الكثير لنقدمه للعالم وما زال ملف اكتشاف الموهوبين ثقافياً يحتاج إلى كثير من العمل فمفكرونا القدامى يحتاجون إلى من يحمل الراية بعدهم ولن يتأتى ذلك إلا بجهد كبير لتقديم أجيال جديدة من المبدعين فى كل المجالات الثقافية ليتم التواصل الفكرى بين أجيال الأمة.

كما أن الصناعات الثقافية التى أصبحت أحد روافد الدخل القومى لكثير من الدول والتى بعضها لا يمتلك مثل ما تملكه مصر من إرث حضارى يمثل الرافد الرئيسى، تلك الصناعات تحتاج إلى رؤية علمية وعملية واضحة إزاء تشجيع ودعم ورعاية بشكل مستمر للشركات الناشئة التى تعمل فى هذا المجال، فى نطاق أكثر رحابة وأوسع مما استقر فى أذهان البعض عن الصناعات الثقافية بأنها تختص فقط بكل ما هو تراثى بل يجب أن تتعداه إلى أكبر من ذلك لتشمل الجوانب الفنية الثقافية بكل مكوناتها، إن الصناعات الثقافية ليست هدفاً لما لها من مردود اقتصادى بل إن آثارها على الشخصية والهوية المصرية أعمق وأكبر بكثير وعلى مدى زمنى عريض.

إن الجمهورية الجديدة تحتاج من القائمين على الشأن الثقافى أن تستعيد التأثير المصرى فى محيطها الإقليمى والدولى بشكل واضح ومؤثر، وما نحتاجه هو تضافر الجهود نحو عمل مصرى موحد لاستعادة الفعل فى هذا المجال، فمصر غنية بكل الكفاءات التى تبنى لدول أخرى محيطة نهضتها الثقافية، ولا شك أنه بقليل من التخطيط وكثير من العمل يمكن أن نحقق الكثير فى هذا الملف وفى غيره من الملفات الأخرى التى لا يرضى عنها الشعب المصرى حالياً.

لا شك أن أحلام الرئيس عبدالفتاح السيسى والمصريين الثقافية كبيرة ومتشعبة ووزارة الثقافة وحدها لن تستطيع أن تؤدى هذه الرسالة على أكمل وجه، فتعاون مجموعة الوزارات التى تتداخل أنشطتها بمحور الثقافة والفكر أو المسئولة عن هوية الأمة ووعيها حتمى وضرورى ويحتاج إلى انسجام أكبر وتجرد أكثر وعمل أوفر لتحقيق حلم الجمهورية الجديدة فى بناء إنسان مصرى أكثر وعياً وفكراً وثقافة بما يتفق مع أصوله الحضارية وروح عصره.

حفظ الله مصر وشعبها من كل مكروه وسوء.

* وزير الثقافة الأسبق