«مليحة».. لأجل هذا خُلق الفن
ما هو دور الفن فى الحياة؟.. يحرك الفن القلوب فيجعلها تستشعر جمال الحياة، يقلقل الأرواح الساكنة فيدفعها دفعاً إلى التواصل مع بعضها البعض ومشاركة ما تمر به من مشاعر فرح أو حزن أو معاناة... فتمتلئ حبوراً أن هناك من يساندها أو يشعر بها رغم المسافات الطوال.
يبدو هذا الوصف الأمثل للقطعة الفنية الأكثر جمالاً فى هذا الشهر الكريم وهى «مليحة»، ذلك المسلسل الذى فاجأنا به صُنَّاعه فى النصف الثانى من ماراثون المسلسلات الرمضانى، فتقف معجباً بجماله ورقته، ببساطته وعمقه، بهدوئه وصخبه، بشجاعته وألمه.
عندما سمعت عن اسم مسلسل «مليحة» أول مرة فى بروموهات المسلسلات التى ستعرض خلال شهر رمضان ظننت وبعض الظن إثم، أنه مسلسل آخر يمتلئ بالتفاصيل العسكرية والتاريخية المباشرة والمملة فقط، حتى إننى لم أكن أخطط لمشاهدته إطلاقاً.. ولكن هل ظلمت المسلسل بهذا الظن السخيف؟ الحقيقة: نعم.. فخلال التنقل بين القنوات كان هناك الإعلان عن بداية المسلسل، وقبل أن أنتقل لقناة أخرى فوجئت بـ«تتر» البداية الذى يخلب اللب والروح، الذى ينقلنا من واقعنا المادى القاسى إلى عالم آخر روحانى رحب ملىء بالعاطفة الحزينة التى تتسلل بهدوء إلى قلب المشاهد وتطرق بابه لتقول له: «لا تنس حكاية الأرض الفلسطينية».
يدور المسلسل حول «مليحة» الفتاة الفلسطينية التى تعيش فى ليبيا مع أسرتها، بعد أن تم تهجيرهم فى عام 2000 بالتحديد مع انتفاضة الأقصى الثانية خارج فلسطين، ولكن بسبب وقوع الثورة فى ليبيا، تنتشر الاضطرابات وتشهد المنطقة السكنية، حيث تعيش «مليحة» مع أسرتها، انفجاراً كان السبب فيه إحدى العصابات المسلحة، مما يتسبب فى وفاة أشقائها وإصابة جدها، وهنا تقرر الأسرة العودة إلى فلسطين وتبدأ رحلتهم عبر الحدود المصرية، وتتوالى الأحداث بعد أن تدخل الأسرة الفلسطينية مصر.
يمثل مسلسل «مليحة» حالة خاصة جداً، فهو أول مسلسل درامى مصرى منذ فترة طويلة يحاول رسم خطوط النكبة الفلسطينية بدقة ووعى فى ذهن المشاهد، ولا يعتمد صناع العمل على الدراما وحدها فى محاولة التأصيل للقضية الفلسطينية وما مرت به من تغييرات سياسية واجتماعية، بل بذكاء منهم ووعى أدركوا أنهم لن يستطيعوا الإلمام بكل تلك التفاصيل، فكانت هناك الحدوتة التى يسمعها المشاهد بين الجد الفلسطينى والحفيد حتى قبل أن تبدأ التترات، والتى يروى فيها الجد قصة احتلال إسرائيل لفلسطين.
ولا نملك سوى أن نرفع القبعة لصناع العمل، سواء المؤلفة «رشا عزت» أو المخرج «عمرو عرفة» على تلك الفكرة الجريئة وهى استخدام الجانب الوثائقى فى بداية المسلسل وعرضه على المشاهد بأسلوب الحكى لتوضيح كيف تم احتلال فلسطين من قِبل المحتل الغاشم، واستخدام الفيديوهات والصور الحقيقية مع عرض التواريخ الفارقة التى مرت بها القضية الفلسطينية منذ بدء الاحتلال.
فذلك الحكى الذى لا يستغرق سوى بضع دقائق فى أول المسلسل قد يبدو بسيطاً للمشاهد، ولكنه فى حقيقة الأمر يحتاج إلى جهد ضخم للوصول إلى المصادر التاريخية المناسبة، بالإضافة إلى جمع الفيديوهات والصور الخاصة بكل حدث تاريخى، والأهم هو دمج تلك الأحداث وعرضها بشكل فيه حبكة درامية بعيداً عن الشكل المباشر فى عرض المعلومات التاريخية فلا يتسلل الملل لقلب المشاهد.
أما هدية المسلسل الحقيقية للمشاهد بل وللمشهد الموسيقى العربى، فهى أغنية تتر المسلسل «أصحاب الأرض»، والذى يجمع بين الترويدة الفلسطينية بألحانها الجميلة الروحية الرقيقة، الممتزجة بصوت «أصالة» القوى وهو يروى ألم أصحاب الأرض وكفاحهم، فتتر الأغنية الذى هو من تأليف «حسين نازك» وفكرة عادل رضوان يرسم للمشاهد الماضى ورقته وفلكلوره الشعبى الجميل، ويجعله خلفية للحاضر بصوته الجهورى الذى يؤكد على استمرار السعى لنيل الحرية..
فى الحقيقة «مليحة» يمتلئ بالكثير من «الملاحة» والجمال، فهو يرسم بخيوط من نور فى نفوس الصغار الوعى بقضية احتلال فلسطين وما يفعله بها الاحتلال الغاشم منذ 76 عاماً، وينافس الأعمال الدرامية العربية التى سبق أن رصدت أحداث القضية الفلسطينية، ليؤكد دوماً الريادة المصرية فى مجال الفن، أما الأهم فهو أنه صرخة فى وجه المحتل الذى لا يعرف الشفقة ويخرب ما تبقى من فلسطين منذ ما يقرب من 6 أشهر بلا رحمة.. صرخة تقول له: «نحن هنا لم ننسَ فلسطين».