عِش اللحظة.. ولا تنتظر

 لا يوجد شاعر اهتم بفكرة الزمن واستدعاها فى إبداعاته كما فعل الشاعر الطبيب إبراهيم ناجى. كثيراً ما استحضر عامل الزمن وتأثيره على الشعور بالحياة والإحساس بأيامها، وعند هذا الرجل تجد العامل الأهم للإحساس بوطأة الزمن، هذا العامل هو «الانتظار».

للشاعر إبراهيم ناجى قصيدة كاملة عنوانها «انتظار»، لحنها الموسيقار الكبير رياض السنباطى، وكان من المفترض أن تغنيها أم كلثوم، لكنها توفيت قبل أن تفعل، رحمها الله، وقد غنّتها من بعد المطربة الكبيرة سعاد محمد.

القصيدة تعالج موضوع الانتظار وأثره على إحساس الإنسان بالزمن، وكيف تمضى الأيام ببطء حين يمكث الفرد فى انتظار ما لا يجىء أو من لا يجىء. فالانتظار يدفع بصاحبه إلى استهلاك عمره فى سوق الهموم: «أشترى الأحلام فى سوق المنى وأبيع العمر فى سوق الهموم».. وليس للوعود قيمة فى حياة من ينتظر، فمهما وعده أحد بالمجىء فإن ذلك لا يؤدى به إلى الصبر، وسيظل على ما هو فيه من ضجر: «لا تقُل فى غد موعدنا.. فالغد الموعود ناءٍ كالنجوم». إن الإنسان فى مثل هذه الأحوال لا يكون فى حاجة إلى الاصطبار أو التصبير قدر ما يكون بحاجة إلى الاختصار: «أغداً قلت فعلمنى اصطباراً.. ليتنى أختصر العمر اختصاراً».. هل يمكن أن يعيش الإنسان إحساساً يحلم معه باختصار الأيام؟ نعم فى أوقات الانتظار يتمنى المرء ذلك. للمصريين مثل يتحدّث عن أن وقوع الشىء، مهما كانت قسوته، خير من انتظاره، وتلك حقيقة إنسانية يكاد يتّفق عليها الكثيرون.

من اللافت أنك تجد أن لعبة الزمن كثيراً ما استعانت بها الأقوام فى مواجهة أنبيائهم. فحينما كان الأنبياء يتوعدون من يدعونهم إلى الإيمان بالعذاب إذا لم يؤمنوا، كان يخرج منهم من يطلب من النبى أن يأتيهم بما يعدهم، حدث ذلك مع نبى الله نوح حين قال له قومه: «قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ»، وتكرّر مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين استعجله مشركو مكة بالعذاب: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ».

الله تعالى له حكمته، وهو القيوم على الزمان والمكان، ويختار المواعيد طبقاً لإرادته، وقد جعل لكل شىء قدراً: «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا»، وبالتالى فاستمرارية الظالمين فى الحياة لا تحمل أى دلالة على رضاء الله عن أفعالهم، أو أن الله تعالى لا يلتفت إلى شكوى الراقدين تحت معول ظلمهم، لكنها مسألة توقيت يختاره الخالق العظيم الذى يُملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.. يقول تعالى: «وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ».

الانتظار هو أكثر عامل يشعر معه الإنسان بطول الوقت ووطأة الزمن، منذ زمن بعيد قدم عمر الخيام فى إحدى رباعياته حلاً للتعامل مع مشكلة الزمن والانتظار، يقول فيها: «غد بظهر الغيب واليوم لى.. وكم يخيب الظن فى المقبل.. ولست بالغافل حتى أرى جمال دنياى ولا أجتلى». العلاج كما رآه «الخيام» هو عدم انتظار أى شىء، فلا معنى لعدم التفكير فى المستقبل سوى العزوف عن الانتظار، باختصار «الخيام» يقول لك: عِش اللحظة ولا تنتظر.