مذكرات جائع

فى كتاب «مذكرات عبد أمريكى» تجد أن «التحكم فى كمية الطعام» يمثل إحدى الأدوات التى استخدمها السادة الأمريكيون فى السيطرة على الأفارقة الذين يعملون فى مزارعهم، ويحكى «فريدريك دوجلاس»، صاحب المذكرات، أن أغلب السادة لم يكونوا يمنحون عبيدهم كمية كافية من الطعام، تشبع جوعهم وتقيم أودهم. قليل من السادة كانوا يتعطفون بمنح كمية مناسبة من الطعام، والعبيد الذين نعموا بذلك كانوا محل حسد غيرهم، وما أكثر ما تسوَّل الجوعى منهم فوائض الطعام.

لا يوجد شىء يذل النفس فى الحياة قدر الجوع، وقد أحل الله تعالى فى ظرف الجوع ما لم يحله فى غيره، مثل أكل الميتة، فقد شرع الخالق الكريم أكلها عند الجوع حماية للنفس الإنسانية من الهلاك، يقول الله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ». فالكثير من الاعتبارات الأدبية تسقط عند الجوع، وقد كان العبيد يضطرون -فى أحيان- إلى سرقة ما يقتاتون به من أجل الاستمرار فى الحياة، وكان السادة يعاقبونهم على ذلك أشد العقاب.

إن أولى محطات نيل الإنسان لحريته تتمثل فى التحرر من الجوع، فتوفير حاجة الجسد من الطعام تعنى انطلاق العقل وتحليقه فى آفاق عليا، وعدم وضع أية قيود على حق الإنسان فى الاختيار. حينما أراد الله تعالى لمشركى مكة التحرر من عبادة الأصنام هيَّأ لهم الظروف فى البداية للتحرر من الجوع أولاً، والأمن من الخوف ثانياً. يقول الله تعالى: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ». وتشير الآية إلى أن الشبع يسبق الأمن ويفوقه قيمة، لأن الإنسان الخائف يمكن أن يعيش، أما الجائع فهالك لا محالة، إن لم ينقذه أحد بالطعام. فكأن الجوع أصل من أصول العبودية.

لعبة التحكم فى كمية الطعام من أكثر الألعاب التى يستخدمها المسيطرون فى ترويض العبيد، وهم يعتبرون أن قلة الطعام خير للمرء من كفايته أو زيادته، لأنه إذا كان الجوع بئس الضجيع، فإن الشبع قد يؤدى إلى خمود الجسد وإعمال العقل، وإعمال العقل قد يدفع بالشخص إلى التفكير فى أوضاعه، ومراجعة طبيعة العلاقة بينه وبين سادته، وقد يكون فى ذلك خطر على الواقع القائم والمستقر، لذلك كان السادة يرون أن إتاحة الطعام بكميات قليلة تمثل ضمانة لثبات الأوضاع واستمراريتها.

لعلك تعلم أن بعض منتجى الطعام فى الغرب يحرصون على طرحه فى الأسواق العالمية بكميات محددة، لأنهم يعلمون أن زيادة المعروض من أى سلعة غذائية لا بد أن تؤدى إلى انخفاض سعرها، إنها لعبة العرض والطلب. وزمان كنا نسمع أن بعض المنتجين والمستثمرين يلقون بالسلع فى البحر حتى لا يتم ضرب ثمنها فى الأسواق.

كأن هناك إرادة عالمية منذ عهد العبودية الأمريكى وحتى اللحظة فى استخدام التجويع أو الجوع كأداة للسيطرة على المجموع ودفعه إلى الدوران فى عجلة الإخضاع.