الكُلفة الإنتاجية لتاريخ الجبرتي!

شريف سعيد

شريف سعيد

كاتب صحفي

قتلوا ابنه وربطوه فى قدم حمار! ارتُكِبَت هذه الجريمة ذات يوم فى رمضان من عام 1821، حين كان «خليل» عائداً من «قصر مُحمد على» فى شبرا، متّجهاً إلى قلب القاهرة. «خليل» الذى درس شيئاً من علم الفلك على يد والده، عمل فى قصر الباشا بوظيفة «ضابط مواقيت»؛ لذا لم يكن داخل جعبته حين تربّص به بعض الأشقياء الغامضين، سوى آلة «الأسطرلاب» الخاصة بضبط الوقت، وبعض الكراريس، وهى الأشياء التى عرف من خلالها الناس شخصيته، فحملوه جثماناً إلى والده المؤرّخ الشهير «عبدالرحمن الجبرتى»، الذى انكسر ظهره، ولم يتحمّل مصيبته فى ولده.

تعود جذور عائلة الجبرتى إلى الحبشة؛ فجده الخامس ارتحل من هناك نحو الحجاز مع بدايات القرن العاشر الهجرى، ثم سافر إلى مصر طلباً للعلم فى الأزهر. هذا الجد البعيد أسّس فى الأزهر ما عُرف باسم «رواق الجبرتية»، متولياً مشيخة هذا الرواق، وقد ظل أبناؤه وأحفاده من بعده، محبين للعلم، طيبى الذكر، قائمين على شئون الرواق ثلاثة قرون، حتى وصلنا إلى الشيخ حسن (والد المؤرخ عبدالرحمن الجبرتى)، الذى تخصّص فى الفقه والشريعة، ونبغ فى الرياضة، والفلك، والمواقيت، فضلاً عن حيازته ثروة ضخمة، وثلاثة بيوت؛ الأول عند ضفة النيل، والثانى فى بولاق، والثالث فى حى الصنادقية بجوار الأزهر، وفى كل بيت كانت له زوجة، وعبيد، وجوارٍ بيض وسود، لكن لم يكن يعيش له أولاد! حتى إنه أنجب نحو أربعين ولداً وماتوا جميعاً، وفى عام 1754م أنجب ولداً سمَّاه «عبدالرحمن»، ولم يفرح كثيراً؛ ظناً منه أنه سيلقى مصير باقى أولاده.

لكن الولد سرعان ما كبر، آخذاً عن أبيه حب العلم الشرعى منه والفلكى. ولما بلغ 14 عاماً، سارع الأب لتزويج ابنه، ومات عام 1775م، لتؤول ثروة حسن إلى عبدالرحمن الجبرتى، الذى أحب -بالإضافة إلى التدريس فى الأزهر- الترحال بين الوجهين البحرى والقبلى، والشغف بملاحظة الناس وأحوالهم. وذات يوم، حضر من اليمن إلى مصر الشيخ «محمد مرتضى الزبيدى»، مؤلف السِفر اللغوى الشهير «تاج العروس من جواهر القاموس»، وكان «الجبرتى» من مريدى الشيخ، وقد توطدتْ العلاقة بينهما حتى طلب منه الزبيدى مساعدته فى التأريخ للأعيان والأعلام المشهورين فى المائة عام السابقة من تاريخ مصر والحجاز.

هكذا نثر «الزبيدى» بذرة المؤرخ فى نفس الجبرتى، الذى بذل قصارى الجهد فى البحث، والجمع، والمقابلات، والزيارات، ولما كاد ينتهى، توفى الزبيدى فى جائحة طاعون ضربت مصر، ثم فوجئ الجبرتى برسول من مفتى دمشق الشيخ «محمد خليل المرادى»، يسأله عمّا أتمّه من تكليف الزبيدى! ليكتشف الجبرتى أن هذا العمل سببه جلسة أكابر فى الآستانة، وكان مفتى دمشق حاضراً فيها، وقيل فيها إنه لا يوجد الآن مَن يؤرخ الحوادث الإسلامية؛ ومن هنا تملكتْ الحماسة الجبرتى من جديد، حين أدرك أن مركز الخلافة يقف خلف عمله هذا، فاستأنفه بكل همّة، لكن مفتى دمشق وافته المنية هو أيضاً، ليتوقف الجبرتى عن المشروع للمرة الثانية محبطاً، مكتفياً بالأزهر، ثم وقع ما لم يخطر على بال، دخل بونابرت القاهرة صيف 1798م.

مكثت الحملة الفرنسية نحو 3 سنوات، دَوَّنَ الجبرتى خلالها الأخبار والحوادث اليومية، فضلاً عن مخالطته الفرنسيين، واقترابه منهم، وتعيينه عضواً فى ديوانهم. ثم خرج الفرنسيون، وعاد العثمانيون بقيادة الصدر الأعظم «يوسف باشا»، الذى طالب العلماء بالكتابة عما ارتكبته الحملة فى مصر، فهرولوا لتلبية رغبته، وكان الجبرتى هو الأسرع بسبب المادة التى لديه، فظهر كتابه «مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس»، الذى قدَّمه للصدر الأعظم، فكافأه عليه. شجّع هذا النجاح الجبرتى، واستمر فى التدوين والتأريخ على نحو أشمل، فكتب عن حقبة ما قبل الفرنسيين، ثم أخذ يكتب عن حقبة «مُحمد على». تلك الكتابات شكلتْ مؤلفه الأشهر «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار»، المعروف باسم «تاريخ الجبرتى». غير أن علاقة الجبرتى بالوالى محمد على كانت متوترة جدّاً؛ بسبب سياساته التى كان الجبرتى يكتب عن ظلمها فى كتابه، ومع ذلك فقد توسّط بعضهم لدى القصر من أجل وظيفة لخليل بن الجبرتى؛ لعل ذلك يُقرّب بين الجبرتى ومحمد على ورجاله، وبالفعل عمل خليل فى القصر ضابطاً للمواقيت، لكن العلاقة بين الجبرتى والوالى لم تتحسّن. وفجأة قُتِلَ الابن «خليل الجبرتى» عقب خروجه من القصر!

أشارت بعض الظنون إلى دور القصر فى قتل الابن؛ إسكاتاً لوالده، لكن الثابت أن الجبرتى عقب الفاجعة، صمت بالفعل، توقف عن التدوين، وظل يبكى حتى ذهب بصره ومات عام 1825م، أما كتابه فقد حُظر طبعه وتداوله، حتى خرج إلى النور عام 1880م، بجهد من مدير المطبعة الأميرية آنذاك «حسين حسنى بك»، ليترسّخ كتاب «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار»، بوصفه أحد أهم الكتب الموثّقة لتاريخ مصر الحديث، ورُبما كان كل ما مرَّ بالجبرتى من آلام شيئاً من الكلفة الإنتاجية لهذا الكتاب!