صندوق الدنيا المصري وحكايات السنين
إذا كانت الأحلام تتغير وتتحول وتكبر وتطول وتتضخم بجميع المقاييس وفى جميع الاتجاهات مع سنوات عمرنا والأحداث التى نمر بها وتترك داخلنا علامات لا تُنسى ولا يمكن محوها، فإن الحلم الأول لأبناء جيلنا الذى عشنا معه وانتقل بنا من يوم إلى آخر ومن حدث إلى التالى، وطاف بنا فى العالم كما لو كان بساط الريح أو البنورة السحرية، وهما من أبطال هذا الحلم، أو بالأدق من أبطال وسكان هذا الصندوق (صندوق الدنيا المصرى) - الراديو.
وفى منازل الأجداد، وتلك القصور التى عاصرت التاريخ المصرى كان هذا الساحر يتصدّر غرف المعيشة، وقد خصّصت له قطع أنيقة من الأثاث، حيث يعتبر أحد مظاهر الرُّقى والثراء والثقافة.
وحوله ومعه كانت العائلات تلتف لتعيش أجمل الليالى مع صوت كوكب الشرق أم كلثوم، ففى الخميس الأول من كل شهر ميلادى خصّصت السهرة لإذاعة حفلاتها التى كان يحضرها كبار رجال الدولة ورئيسها فى اعتراف ضمنى بأن هذا الصندوق الذى يبث الحفلات من استوديوهاته هو واحد من أهم روافد القوى الناعمة للدولة، ومع المناسبات والأعياد الرسمية كانت أصوات مصر الشهيرة تنطلق لتجمع الأحبة والأصدقاء فى ليالٍ ما زالت ذكراها حتى الآن حولنا.
والطريف أن تسجل برامج ومسلسلات هذا الصندوق يوميات المجتمع المصرى طوال الأسبوع فى مواعيد ثابتة منذ الصباح وحتى نهاية اليوم، فهناك برنامج المرأة والأسرة وهناك المسلسلات التى شاركت فيها أصوات عمالقة الفن والصور الاستعراضية وبرامج الشارع المصرى وزيارات للمكتبات والمستشفيات، ومراسلات عبر الأثير لإهداء الأغانى وإرسال كلمات الاعتذار ومراسلة الأبناء المغتربين فى الخارج والدارسين والمهاجرين.
وكانت بداية هذا الدور الرائع الخالد المستمر منذ ٩٠ عاماً وحتى الآن عندما انطلق صوت أحمد سالم، أشهر الإذاعيين المصريين، ليعلن ميلاد الإذاعة المصرية فى ٣١ مايو ١٩٣٤، حين قال (هُنا القاهرة).
لتتوالى على آذان وقلوب المصريين أصوات روادها ومبدعيها التى شكّلت طوال تاريخها الطويل منذ إشارة البدء وحتى الآن الوجدان المصرى والعربى من جيل إلى جيل، وشاركت المصريين والشعوب العربية كفاحهم وخاضت معهم الحروب وساعدت الثورات على الانطلاق والتحرّر وبناء الأوطان.
ويرجع حصولها على هذا الدور المهم إلى أنها واكبت حقبة مهمة فى التاريخ المعاصر، فكانت ضمير الأمة المصرية والعربية، ويكفى أنها لعبت دوراً سياسياً وتنويرياً فى الحفاظ على الهوية المصرية، ففى خمسينات القرن الماضى كانت عاملاً رئيسياً لنجاح ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، فمن أمام الميكروفون أعلن البكباشى أنور السادات بيان الثورة وأهدافها ومبادئها، ومن خلال بث الأغانى الوطنية والبرامج الإذاعية نجحت الثورة فى الوصول إلى مختلف طبقات الشعب.
ولم يتوقف دور الإذاعة عند ذلك فقط، بل تبنّت حركات التحرّر التى كانت تدعمها القيادة المصرية فى تلك الفترة، فأنشئت إذاعة صوت العرب لمخاطبة الدول العربية، بالإضافة إلى عدد من الإذاعات الموجّهة إلى الدول الأفريقية باللغات المحلية والإنجليزية والفرنسية.
وهكذا تحوّلت استوديوهات الإذاعات الموجّهة فى القاهرة إلى ما يُشبه غرفة عمليات لقيادات المقاومة ضد قوات الاحتلال الأجنبية ومخاطبة الشعوب، ولم يقتصر دور الإذاعات الموجّهة على دعم المقاومة، بل امتد للمساهمة فى دعم العلاقات الأفريقية والعربية والآسيوية.
ومن أهم الأدوار التى لا تُنسى لهذا الصندوق الساحر دوره البارز فى الحروب التى خاضتها مصر على مر التاريخ منذ عام ١٩٥٦ مروراً بحرب ١٩٦٧ وحرب الاستنزاف ونصر أكتوبر ١٩٧٣.
فما زال حتى الآن صوت الإذاعى الشهير حمدى البلك، وهو يعلن البيان الأول لحرب أكتوبر وعبور القوات المصرية القناة وتحطيمها خط بارليف فى الآذان والقلوب، فهو الذى دفع المصريين إلى الالتفاف حوله لمتابعة البيانات العسكرية المتتالية فى مشهد هو الأقوى فى التاريخ المصرى الحديث.
وقد مر صندوق الدنيا المصرى والصديق الحميم للمصريين بمختلف مستوياتهم الاجتماعية بالكثير من المراحل، حيث وافق مجلس الوزراء فى يوليو ١٩٣٢ على أن تتولى شركة «ماركونى» التلغرافية اللاسلكية، كوكيل عن الحكومة المصرية، إدارة الإذاعة وتشغيلها وصيانتها وإعداد البرامج والمذيعين.
وفى مايو ١٩٣٤ جرى إيقاف جميع الإذاعات الأهلية والتعاقد مع «ماركونى» على إنشاء الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية وبدأ العمل على إقامة محطات الإرسال والاستوديوهات الإذاعية فى مبنى شركة «ماركونى» فى شارع علوى خلف البنك المركزى، ونص العقد على أن تكون الحكومة هى المبتكرة للإذاعة فى إدارتها وإنشاء برامجها لـ١٠ سنوات قابلة للتجديد، وفى مقابل الإدارة تتلقى الشركة ٦٠٪ من حصيلة رُخص أجهزة الاستقبال.
وقد أسّست «ماركونى» ٥ استوديوهات إذاعية وشهدت هذه المرحلة إشراف وزارة المواصلات على محطة الإذاعة حتى أنشئت وزارة الشئون الاجتماعية وأصبحت الإذاعة إحدى إداراتها فى أغسطس ١٩٣٩.
وينتقل الإشراف عليها إلى عدة جهات منها وزارة الداخلية فى عام ١٩٤٢، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تشرف عليها وزارة المواصلات، ثم مجلس الوزراء، فوزارة الإرشاد القومى، وفى ١٥ فبراير ١٩٥٨ يصدر القرار الجمهورى رقم ١٨٣ لسنة ١٩٥٨، باعتبار الإذاعة المصرية مؤسسة عامة ذات شخصية اعتبارية، وإلحاقها برئاسة الجمهورية، وفى عام ١٩٦١ تصبح من أهم المؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادى، وتسمى بالمؤسسة المصرية العامة للإذاعة والتليفزيون، ثم تنضم إلى وزارة الإرشاد القومى. ومع هذا التاريخ الطويل فإن الصندوق السحرى لم يتغير فى عيون المصريين وما زال هو الدنيا وما فيها.