الفراخ وسنينها!!

على مدى سنوات طويلة استطاعت صناعة الدواجن والقائمون عليها توفير لحومها وبيضها بكميات تلبى احتياجات مواطنينا البسطاء منهم والقادرين، إلى الدرجة التى أغنتنا عن سؤال دول أكثر تقدماً وتكنولوجيا منا لتعطينا مما أعطاها الله بفلوسنا المحولة لفلوسهم بعد أن تدهورت قيمة عملتنا لتأبى تلك الدول تداولها، ثم ظهرت إنفلونزا الطيور بعدما جاءت إلينا مسرعة فتاكة من بلادهم وبفلوسنا أيضاً، استوردناها أو جاءت من طيورهم المهاجرة إلينا حباً فى دفء الوطن، وطابت لها الإقامة مع أخواتها من فيروسات عاشت بيننا عشرات السنين وأصبحت من أهل البيت، ومرت عشر سنوات أخرى على هذا الفيروس بيننا يُقاوِم ويُقاَوم ويتحور وينزوى فى بيات قصير وينهض من سباته مرة أخرى وعندما شعر بالخطر المستمر المركز من الجميع حوله فضل الانتظار ونادى أخته الصغيرة الهادئة H9 لتندرج فى هذا الكوكتيل العائلى من H5 IB، ND، وغيرها، يلعبون معاً بشقاوة لم نتصورها مسببين خسائر لا حد لها للمنتجين ولا زالت، ونقص معها المعروض من لحومها وهو أمر طبيعى بعد ما تخطى حاجز النفوق فى المزارع حاجز الـــ50%!! وترتفع الأسعار «عرض وطلب»، فالإنتاج فاق ما هو مخطط مقارنة بالسنوات السابقة، ولم يبخل المنتجون بالمزيد من الاستثمارات لتأكلها فيروسات الأمراض المتوطنة وحديثة التوطن، وبات المستقبل مشكوكاً فى إشراقه وفقدت الصناعة الثقة فيما يقدم لقطعانها من نصائح واستشارات وأدوية ولقاحات وعلاجات فلم يعد هناك ما يداوى. مليارات تنفق بانتظام على أدوية ولقاحات بلا جدوى وأصبح من الضرورى القيام بذلك تلقائياً كالدروس الخصوصية التى يُجبر أولادنا عليها، وأتصور أن الدولة إذا استطاعت منع أو إيقاف الدروس الخصوصية، وهذا ممكن، فربما تستطيع حل المشاكل المرضية الصعبة التى تعانيها الصناعة، وأتصور بعدما طال الشرح حلولاً يسهل تحقيقها ألخصها فيما يلى: 1- أولاً معرفة ماهية الفيروسات والأمراض التى تسبب هذه الخسائر المنتشرة بالمزارع وتصنيفها، وما إذا كانت هناك أسباب أخرى يلزم علاجها. 2- تتولى لجنة تشكل من علماء مصر المتخصصين الأحرار ممن لا تربطهم أى صلة من قريب أو بعيد بشركات الأدوية أو اللقاحات، مستشارين كانوا أو ملاكاً، ويساعد اللجنة فئة من علماء العالم المتخصصين وذلك للتعرف أولاً على ما نحن فيه وأسبابه. 3- فإذا ما علمنا الأسباب علينا وضع الحلول الصارمة وتنفيذها بلا هوادة ولا طبطبة مهما كانت التضحيات. 4- تفعيل القرارات الحكومية المهمة والخطيرة مثل «تراخيص المزارع» و«إيقاف تداول الطيور الحية»، إنها قرارات مهمة صدرت فى حينها بعد دراسات وافية ولا مانع من التعديل إذا تطلب الأمر ذلك، ولكن لا بد من تفعيلها. 5- باتت قصة نقل العشوائيات من مزارع الدواجن بدلتا النيل إلى الظهير الصحراوى لبعض المحافظات وكأنها فيلم أبيض وأسود من أيام على الكسار، هى فين الأراضى؟ هل وضع تخطيط علمى؟ هل أقيمت بها المرافق أو البنية التحتية الرئيسية؟ هل ستؤجر أم ستملك أم ستخصص أم حكر؟ أم ما فيش أراضى على الطبيعة؟ ثم هل وضعت خطة لإغلاق العشوائيات فى نفس الوقت الذى يتم فيه تشغيل المواقع الجديدة إن وجدت حتى لا تنقرض هذه الصناعة؟ إن النداء بالاستيراد الدجاج المجمد يجد الاستحسان فى هذه الأيام لارتفاع الأسعار ولكن لا تصلح له الاستدامة وهو حل مؤقت مُسكن سريع قد ينجح فى شفاء البعض ويفشل فى إقناع الكثيرين بتداوله، وأى اتجاه للاستيراد على أى شكل حياً كان أو لحوماً فيه المخاطرة، فالحى قد ينقل أمراضاً غريبة علينا لنعانى وندفع، وتجاربنا فى ذلك لا حصر لها منذ ستينات القرن الماضى وربما قبل ذلك، أما المجمد من اللحوم بأنواعها ففيه بجانب ما سبق التحويل لعملات أجنبية تُخرج لسانها لعملتنا المسكينة، إضافة إلى تأفف الكثير من مواطنينا بمن فيهم البسطاء من تداول لحوم مستوردة قد تطالها شبهة من عدم صلاحيتها لطريقة ذبحها وشرعية هذا الذبح مهما كتب عليها، أو ما نوعية الغذاء الذى قدم لهذه الحيوانات أو الطيور قبل ذبحها وإرسالها إلينا والموضوع يطول شرحه. وفى الفراخ إذا تم الاستيراد لحل مشكلة وقتية أو لحظية قد يأتى بالغرض منه ولكن لا يمكن الاستمرار فيه، فاستثمارات هذه الصناعة فاقت عشرات المليارات من الجنيهات وفيها مستثمرون من دول شقيقة وأخرى صديقة، ويعيش عليها الملايين من مواطنى الكنانة، واستمرار الاستيراد سيغلق الأبواب ويسرح العمالة لتزداد البطالة، فى وقت امتلأ فيه البلد بالمشكلات والحكاية مش ناقصة!! الحل الأول هو معرفة مما نعانى أو مما تعانى هذه الصناعة، لنبحث عن الحل الذى تحاول إيجاده بإخلاص الجهات الحكومية المسئولة عن الصحة الحيوانية ببلدى. وأجد أن تضافر الجهود من المخلصين فى هذا الوطن من العلماء، وبالعلم نستطيع أن نعيد الصناعة إلى أقوى مما كانت عليه ونحقق اكتفاء ذاتياً ونصدر كما كنا قبل عام 2006، فمن العيب القضاء عليها لعدم معرفة الأسباب الحقيقية أو عدم التنفيذ الصارم لقوانين ولوائح حماية لمصر والمصريين، وحماية لسمعة مصر، وجذباً للاستثمارات فيها بدلاً من طردها، فلحومها وبيضها بروتين الفقير والبسيط بالدرجة الأولى، وارتقاء بعملتنا للتوقف عن الاستيراد كما حدث فى الأعوام قبل 2006، وإلا سيذكرنا التاريخ فى كتبه بأن مصر بعلمائها والقائمين عليها فشلت فى إيجاد الحلول لتوفير غذاء صحى ورخيص لأبنائها رغم ما يقوم به علماؤها وقادتها من نهضة عظيمة تشمل كل نواحى الحياة، لا أريد للتاريخ أن يذكرنا بذلك مثلما ذكر محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة ونهضتها عندما أتى بقطيع من الأغنام المرينو ذات الصوف الناعم من أوروبا ليصنع منه طرابيش لعساكر الجيش لكنها تصاب بالجرب وتهلك، يذكر التاريخ ذلك فى كتبه مع ذكر ما قدمه محمد على باشا لمصر، لا نريد للتاريخ أن يعود ليذكر أن صناعة الدواجن القوية الغنية الوحيدة التى حققت اكتفاء ذاتياً وامتصت ملايين من الأيدى العاملة، هلكت لعدم معرفة أسباب مشاكلها، لإيجاد الحلول فى زمن صار فيه علاج الأزمات بالـNet والـFace book هى دى الفراخ التى أرهقت وزهقت العاملين عليها ومستخدميها أكلاً وشرباً. ولك الله يا مصر.