نور الشريف.. درس فني محترم (3-1)
ذات ظهر يوم بعيد رأيت لأول مرة وجه نور الشريف، الذى لم أقابله قط. كان يطل علىّ بوجه مشرق، وثغر باسم، وعينين يسكنهما ألق وثقة من صورة مطبوعة على نوع من الحلوى، اعتدنا أن نشتريها صغاراً بقرش صاغ واحد. يومها لم تكن قريتنا البسيطة قد دخلها التليفزيون بعد، ولم أكن قد عرفت طريقى إلى السينما، فكانت أعمال صاحب الصورة مجهولة لى تماماً.
لم تمضِ سوى سنتين حتى جاء التليفزيون إلى قريتنا، موصول ببطارية مثل الموجودة فى السيارة، إذ لم نكن قد عرفنا الكهرباء بعد. ومع مجيئه رأيت نور الشريف، لأول مرة، بطلاً لمسلسل «مارد الجبل»، يلعب دور شخص اسمه «أحمد بن شبيب»، فأحببت فيه هذا الشاب الثائر المتمرد على ظلم المماليك، الذى ينشد القصائد، ويهرب إلى الجبل ليكون بعيداً عن قبضتهم، ثم يهاجم سراياتهم وقصورهم مع رجاله الأشداء.
ولما كبرنا عرفنا الخيط الواصل بين شخصية «ابن شبيب» والشاعر «ابن عروس»، صاحب فن الواو، الذى تسكن قصائده، المفعمة بالمجازات غير المعلبة، حكمة سابغة، نابعة من تجربة رجل عرك الحياة جيداً، ولم يكتف بقوة الإرادة ومضاء العزم وسيلة لمواجهة تصاريفها القاسية، بل أيضاً نفسية الفنان وقريحته، وهو ما استطاع نور الشريف أن يجسده فى هذا الدور، المحفور فى ذاكرتى.
وقال لنا الذين سبقونا إلى البندر، وعرفوا الشاشة الفضية الرحيبة الرهيبة إنه من حى «السيدة زينب» لكن أصوله تعود إلى المنيا، فتعلقنا به أكثر، متحيزين لبلدنا ولاسم صاحبة المقام، التى يتكرر ذكرها على ألسنة أهل قريتى مرة باسمها، وأخرى بلقبيها الشائعين «أم العواجز» و«رئيسة الديوان».
من سبقونا إلى «الأفلام» أفهمونا يومها أن الصورة الملتصقة بالحلوى هى لنجوم السينما، ولأنهم يعرفون أسماءهم، أفصحوا لنا عنها، لكن منذ متى كانت صورة واحدة بوسعها أن تحفر شيئاً ذا بال فى الذاكرة، حتى لو مدت حبلاً من المودة مع صاحبها، صنعته طلعته وطلته البهيَّة؟
ربما ارتعش شىء داخلى فى هذا اليوم، وأنبأنى حدسى الغض، أن هذا الفنان الشاب وقتها ستكون لى معه متابعة دقيقة لأعماله الدرامية والسينمائية فيما بعد، وأننى سأُكبره كفنان يرعى موهبته وينميها طوال الوقت بالقراءة والتدريب، وسيحميها بمواقف يغمرها البذل والاحترام، سواء فى الفن أو فى الحياة الاجتماعية والسياسية.
لم يكن «نور» هو بطل أول فيلم قد رأيته فى التليفزيون الذى دخل قريتنا تجاوره هذه البطارية التى تمده بطاقة تمنحه القدرة على الإضاءة وعرض الصور والحركات، وإطلاق الكلمات والحوارات، إنما كان القدير محمود المليجى، وفيلم «رجل اسمه عباس»، الذى راحت الشاشة الصغيرة تُنقصه من أطرافه، وهى تصغر وتضيق مع اقتراب نفاد شحنة البطارية المسكينة، ثم أكلت الصورة والصوت فجأة حين عجزت عن العطاء، وقطعت مددها، فانصرفنا متحسرين إلى بيوتنا الخفيضة، وآوينا إلى مخادعنا الخشنة، قابضين على بعض الصور والكلمات والمعانى.
لكن «نور» كان بطل أول فيلم سينمائى شاهدته فى حياتى، بسينما «ميامى» فى مدينة المنيا. كنت فى الصف الثانى الإعدادى. ذهبت مع صديق إلى هذا العالم الساحر الجديد، مدفوعاً بالحكايات التى ملأ آذاننا بها من سبقونا إلى هذه الدنيا الغريبة. وقفت أمام الأفيش أتأمله فى إمعان، تملأ صوره، وتقتحم حروفه عينىَّ، وتحركت شفتاى أقرأ الأسماء المطبوعة وسط لجة من الألوان الصاخبة، وهى للساحرة سعاد حسنى، والفارع عزت العلايلى، والوديع عمر الحريرى.
ماتت المسافة بين الصورة التى لازمت حلوى، سرعان ما اختفت من السوق، وبين هذه التى يهديها إلىَّ الأفيش الرحب، لكن سرعان ما أحياها اسم الفيلم الذى أثار فى نفسى رغبة فى معرفة ما يعنيه. كان «أهل القمة»، المأخوذ عن قصة نجيب محفوظ، وهو اسم كنت قد بدأت التعرف عليه فى مكتبة المدرسة الإعدادية.
لم أكن أدرى وقتها أننى سأقرأ أعمال محفوظ جميعاً، من روايات وقصص ومسرحياته الموزعة على بعض المجموعات القصصية، وكتب أربعة جمعت مقالاته القصيرة المركزة التى كان يكتبها فى صحيفة «الأهرام» وكتاب حوارى وسردى هو «أمام العرش». لم أكن أعرف فى هذا اليوم أيضاً أن التلازم بين نور ومحفوظ سيستمر طويلاً، فى السينما، ويهبنا أعمالاً لم يفتنى منها شىء، خصوصاً المأخوذة من «ملحمة الحرافيش» الخالدة، وقصص أخرى عن حياة فتوات القاهرة فى زمنها الذى ولَّى.
(ونكمل غداً إن شاء الله)