د. أحمد الطيب.. أيقونة عالمية

لم يحظَ ملك ولا زعيم ولا قائد بالتكريم الذى قُوبل به الإمام الزاهد د. أحمد الطيب شيخ الأزهر، فى ماليزيا وإندونيسيا، فقد استقبل استقبالاً شعبياً ورسمياً يفوق الخيال، نهر من الحب والود والتقدير فاضت به مشاعر ماليزيا وإندونيسيا كلها، كانوا ينادونه «شيخنا وأبونا»، فهو أب للمسلمين جميعاً.

واستقبله رئيس وزراء ماليزيا ورئيس إندونيسيا حتى ودّعه الرئيس الإندونيسى وكأنه يؤدى التحية العسكرية للإمام، هذا من الناحية الرسمية، أما من الناحية الشعبية فقد منحته أعرق الجامعات الماليزية الدكتوراه الفخرية.

تحدّث الإمام فى جمعية نهضة العلماء الإندونيسية التى يبلغ أتباعها أكثر من 120 مليون مسلم، وحاضر هناك فى قادة الأديان الإندونيسية كلها البروتستانت والكاثوليك والبوذية والهندوسية والكونفوشيوسية وكان عنوان هذا الحفل «الحوار والوئام بين الأديان والحضارات».

ذهب الإمام بعدها إلى مؤتمر عقدته الجمعية المحمدية الإندونيسية بجاكارتا وكان بعنوان «الأزهر الشريف والمحمدية ودورهما الرائد فى نشر وسطية الإسلام وتحقيق السلام العالمى»، وحضر علماء الجمعية ونخبة من علماء إندونيسيا ومفكريها ورحّب به حيدر ناصر رئيس الجمعية، قائلاً: «شيخ الأزهر هو الداعم الأكبر لقضايا العالم الإسلامى والقضايا الإنسانية، فهو ليس إماماً للمسلمين فحسب، ولكنه رمز للسلام والإنسانية على مستوى العالم».

كانت كلمات الإمام الطيب رائعة وقوية كعادته، ومنها قوله:

* الأديان رسالة سلام إلى البشر والحيوان والنبات والطبيعة بأسرها.

* الإسلام دين تكامل الحضارات وتلاقح الثقافات واحترام الآخرين.

* التاريخ شهد لحضارة هذا الدين أنها كانت وما زالت حضارة الأخوة الإنسانية والزمالة الدينية العالمية، وأنها لم تكن أبداً مصدر شقاء للإنسانية.

* تعدّد الأعراق والأديان ليس خطراً على المجتمعات، والإسلام ربط المسلم بغيره بقواعد التعارف والتعايش المشترك.

* الجرأة على التكفير والتفسيق والتبديع كفيلة بهدم المجتمعات لو لم تواجه بالفقه الصحيح.

* الوسطية خاصية الأمة الإسلامية الكبرى وتتجلى بين المحكمين للعقل، حتى إن خالف النصوص القطعية، وبين الباخسين لدوره المحورى فى تأمل النصوص وإدراك دلالاتها والتوازن فى المساحة الوسط بين المقدّسين للتراث، وإن بدا فيه قصور البشر والمتقاطعين معه، وإن تجلت فيه روائع الهداية.

* القرآن يبدأ رسالته بقرع أجراس العلم والمعرفة ليُنبّه إلى أن أمر العقيدة يتأسس على العلم والنظر العقلى، وليس مجرد التسليم القلبى.

* العقل هو المحور الأساسى الذى تدور عليه كل تكاليف الشرع ومنزلته فى القرآن الكريم من المسلمات التى لا تقبل نزاعاً ولا جدالاً.

* الإسلام يشتمل على ثوابت خالدة ومتغيرات متحرّكة، فالثوابت ضوابطها قطعية، والمتغيرات خوطب فيها الناس بمبادئ عامة يمكن أن تنزل على الواقع بوجوه شتى.

* النهج الوسطى الإسلامى لا يعرف الإقصاء وشيطنة المخالفين وإدانة مذاهب تلقتها الأمة بالقبول، فهو الضامن لوحدة المسلمين واستمرارها.

* التعميم المعيب للإسلام من بعض الغربيين، انطلاقاً من تصرفات فئة شاردة انحرفت بفهم الدين، عرقل جهود التقارب بين الشرق والغرب.

* بعض المسلمين فى الشرق لم يتخلصوا من عيب وضع الغرب كله فى سلة واحدة والنظر إليه على أنه عدو وشر مستطير.

* الإسلام بطبيعته دين له تجارب تاريخية فى تجاور الحضارات وتعدّد الأديان والأنظمة الاجتماعية تحت سماء الدولة الواحدة دون إقصاء أو إزاحة.

* مأساة فلسطين هى مأساة الأمة والعالم الحر، وهى جريمة إبادة تجاوزت بشاعتها كل الحدود، ونأمل أن تسهم هبة شباب الجامعات الغربية لنصرة غزة فى الكشف عن منابع الخير فى العالم.

* سلخ القرآن عن السنة النبوية يضعه فى مهب الريح ويفتح عليه أبواب العبث بآياته وأحكامه وتشريعاته، وضرب لذلك أمثلة من الصلاة والزكاة.

* المشككون فى السنة النبوية على اختلاف أماكنهم وأزمانهم ومشاربهم يجمعهم قاسم واحد، وهو الشك فى رواة الحديث والتقليل من قيمة جهود مضنية بذلها علماء الأمة أعماراً، أراقوا فيها ماء عيونهم لتمييز الصحيح من غيره من خلال بحث دقيق متفرّد فى تاريخ الرواة حتى نشأ بين أيديهم علم «الإسناد» أو «الرجال»، وهو عليم لا نظير له عند غير المسلمين.

* التاريخ لا يعرف شخصاً آخر -نبياً أو زعيماً أو بطلاً- غير محمد، صلى الله عليه وسلم، سُجلت جميع وقائع حياته وأفعاله وأقواله وأسفاره وأخلاقه حتى خطوط وجهه ونمط عشرته فى أهل بيته وأصدقائه وأعدائه.

* منكرو السنة يسمّون أنفسهم بالقرآنيين، وهم أبعد الناس عن القرآن الكريم.

* السنة النبوية محفوظة بحفظ القرآن.

* العالم الإسلامى يفتقد تنسيق الجهود بين دوله ومؤسساته والخروج بصوت إسلامى موحّد ومُعبّر عن تحدياته وأزماته.

وفى إحدى الجلسات مع بعض العلماء رحّب بمعلمى القرآن، وقال: «أمنيتى قديماً وحتى اليوم أن أترك مكانى هذا، وأفتتح «كُتاباً» لأحفّظ التلاميذ القرآن، وأتمنى أن يحقّق الله لى هذه الأمنية قبل أن أموت، لا يهمنى أن أترك كرسى المشيخة لأجلس على حصيرة بسيطة وأحفّظ التلاميذ القرآن الكريم».

كلمات من نور خرجت من قلب نظيف وعقل عظيم فأنارت ضياء الكون.الإمام الطيب أعظم ثروة للإسلام والمسلمين ومصر، وهو أيقونة العلم والزّهد والخلق والرجولة والصدع بالحق فى عالم مشحون بالنّفاق والرياء والطمع والأثرة، تحية لشيخ الأزهر من قلب محب له.