مصر الأخرى

أحمد عمر

أحمد عمر

كاتب صحفي

مرت زيارة الرئيس السيسي لألمانيا على خير، وبنجاح ملحوظ. وكالعادة في تحركات الرئيس في الداخل والخارج، أداءه الشخصي على أعلى مستوى، وسلوكه وصورته وحضوره في منتهى الانضباط والرقي الذي يليق برئيس دولة بتاريخ وحجم ودور مصر. غير أن هذا لم يمنع أن يفسد الصورة قليلًا ويثير الكلام والجدل، أداء المسؤولين عن إخراج المشهد ككل، وتحديد الأدوار وكذلك سلوك وأقوال كذابين الزفة رجال كل العصور. وفي حين ارتفعت على مواقع التواصل الاجتماعي، أصوات كثيرة مستهجنة سفر وفد شعبي من الإعلاميين والفنانين والشخصيات العامة، لدعم الرئيس، والوقوف – كما قيل - في وجه مرتزقة جماعة الإخوان في الخارج، الذين خططوا لإفساد الزيارة، والإساءة إلى شخص الرئيس والنظام الحاكم في مصر، والمتعجبة كذلك، من اختيار نماذج سياسية وفنية أصبحت خارج المشهد من زمن طويل، وعابوا على صاحب القرار، ومن قام بالاختيار وتوزيع الأدوار. وجدنا على الطرف الآخر، أصواتًا أخرى، عبر نفس مواقع التواصل الاجتماعي، تؤيد الفكرة، وتدافع عن مشهد الزيارة بكل تفصيلاته، وتتهم المعترضين بعدم الوطنية، ومحاولة الصيد في الماء العكر، والإساءة إلى مؤسسة الرئاسة، التي هي أبعد ما تكون عن كل ما يدور؛ لأن هؤلاء سافروا بقرارهم الشخصي، أو بدعوات من رجال أعمال، تبرعوا بكل التكاليف لدعم الرئيس. وبعيدًا عن هؤلاء، وهؤلاء، كانت هناك مصر الأخرى، التي لم تكترث كثيرًا بالزيارة والجدل المثار حولها؛ مصريون عاديون في الصعيد والقاهرة، والدلتا والإسكندرية، والمحافظات الحدودية البعيدة، مهمومون بالبحث عن لقمة العيش، وتوفير الحياة الكريمة لهم ولأبنائهم، يعانون من انعدام الخدمات أو سوء تقديمها، ويحلمون بزيارة الرئيس لهم، لعلهم يستطيعون رؤيته ليشكوا إليه صعوبة الحياة، وانعدام الهمة والإخلاص عند المحافظين والمسؤولين المحليين، ويتمنون عليه تحقيق أحلامهم فيه، وجني ثمار ثقتهم وانتخابهم له، والنظر إليهم بعين الرأفة والرحمة، لأنهم جموع شعب مصر، الذي لم يجد عبر أربعة عقود ماضية، أحدًا يحنو عليه.. وإلى جانب هؤلاء المصريون البسطاء، وجدنا قطاعًا عريضًا من المصريين الوطنيين، مسلمين وأقباط، قد انشغلوا عن تفصيلات زيارة الرئيس لألمانيا، بمتابعة الجريمة التي حدثت في قرية كفر درويش بمحافظة بني سويف، وتم فيها حرق بيوت بعض المسحيين، وتهجير أصحابها. وقد أزعجهم ذلك الحادث كثيرًا، وأثار مخاوفهم؛ حيث وجدوا فيه، مؤشرًا خطيرًا على غياب الدول، وتعجبوا من أن يحدث ذلك تحت حكم الرئيس السيسي، وبعد التضحيات التي دفعها الاقباط أثناء ثورة 30 يونيو، وصبرهم على أعمال الهدم والحرق التي حدثت لبيوتهم ودور عبادتهم، بيد جحافل انصار الجماعة والرئيس المعزول. وهذا يعني أن مصر الأخرى، والإنسان العادي من عامة المصريين، أعضاء حزب الكنبة، مسلمين وأقباط، قد انشغلوا بهمومهم الحياتية ومشكلات البلد الحقيقية، عن الالتفات إلى الجدل الذي أثير حول الزيارة، وكل ما يعنيهم من زيارة الرئيس لألمانيا وغيرها من بلاد العالم، ومن سياسات الرئيس في الداخل والخارج، أن يجدوا لهم مردودًا إيجابيًا قريبًا يعمل على تحسين ظروف حياتهم، ورفع مستوى معيشتهم.