ثورة صامتة في أوروبا

لا مبالغة إن قلت إن صعود اليسار الأوروبى فى فرنسا وبريطانيا بمنزلة «ثورة صامتة»، حققتها الديمقراطية دون صراخ ودم واضطراب اجتماعى، لا سيما أن هذا الصعود جاء فى ظل مراجعة نقدية عميقة يقوم بها الشباب خصوصاً للرأسمالية الغربية والاتجاهات اليمينية العنصرية والديمقراطية التمثيلية، التى لم تعد قادرة على تلبية مطالب الشعوب الغربية.

هكذا أجبت أحمد عبدالله الصحفى بموقع «الوئام» للوهلة الأولى، حين سألنى، واستعدت فى وصفى هذا ما أوردته فى كتابى «المجاز السياسى» عن مفهوم «الثورة الصامتة». فإذا تفحصت الحالة الأوروبية الآن، المرشحة للامتداد إلى ما بعد فرنسا وبريطانيا، أقول إننا قد رأينا مقدمات وإرهاصات لصعود اليسار من جديد، بتنظيم مظاهرات واعتراضات فى العديد من المؤتمرات الدولية ومواجهة الشركات متعددة الجنسيات والنزاعات العنصرية فى المجتمعين الأمريكى والأوروبى، والسياسات الخارجية ذات التوجه الاستعمارى، كما وُلد جيل جديد فى الغرب، لديه انتقاد لكل السياسات السابقة.

فى بداية الصراع بين الغرب والاتحاد السوفيتى، كانت قضية اليسار والاشتراكية «مخلب قط» فى الدول الغربية، ورغم سقوط جدار برلين والكتلة السوفيتية، استمر البحث عن العدالة والمساواة ورفض العنصرية فى الدول الغربية، وبدأت تتصاعد فى هذه المجتمعات العديد من المطالب، وتأخذ طريقها للأمام بين قطاعات كبيرة من الشباب.

إن الأزمات المتعددة والمتلاحقة، بداية من وباء كورونا، ثم الحرب الأوكرانية، وأخيراً الإبادة الجماعية فى غزة، أسهمت فى تفجير الوعى بالعديد من القضايا، وهى أن النظم الحاكمة فى أوروبا عاجزة، وفى طريقها للانتحار، إن تُركت فى قبضة اليمين المتطرف، وصعوده على يد دونالد ترامب فى الولايات المتحدة.

لقد فشلت النظم المحافظة واليمينية أو تعثرت، وأظهرت عجزاً تجاه القضايا الداخلية فى البلاد الغربية، فنجد بريطانيا دولة تعانى أزمة اقتصادية وشيخوخة ومشكلة فى التأمين الصحى وتحقيق الرفاه الاجتماعى، وأيضاً تراجع دور فرنسا على جميع المستويات، وينظر لها مواطنوها أنها دولة من العالم الثالث.

لقد سبق أن اُُستعمل المصطلح من قبل حزب العدالة والتنمية التركى، واصفاً ما أحدثه من تغيرات فى مجال الاقتصاد والتحول الاجتماعى والسياسى الذى شهدته تركيا فى الفترة المتراوحة بين 2002 و2012. ويستعمل ويليام واغنر الاصطلاح نفسه فى وصفه لطريقة انتشار الدين الإسلامى فى الغرب، ويقول: «قليلون هم المسيحيون فى الغرب الذين يعرفون معنى كلمة الدعوة. ففى حين أصبحت كلمات عديدة أخرى مثل الجهاد والله والقرآن ورمضان مُدرجةً فى عدد من معاجم اللغة الإنجليزية، فإنّ الدعوة تبقى مجهولة. ويعود أحد أسباب ذلك إلى الطريقة الصامتة التى يعتمدها المسلمون فى محاولة حث الناس إلى الاهتداء إلى الإسلام بخاصةٍ فى الغرب. فالدعوة هى ثورتهم الصامتة». وقلت فى كتابى «التغيير الآمن.. المقاومة السلمية من التذمر إلى الثورة» إن الثورة الصامتة يمكن أن تمتد إلى ما يمكن أن نطلق عليه النزع الصامت للشرعية، وهى شكل من أشكال تجريد السلطة الحاكمة من كل مقوم أخلاقى وسياسى طبيعى يضفى عليها الرضاء الشعبى المطلوب، والذى يمثل جوهر الشرعية، بعيداً عن التصورات والتبريرات النظرية والمماحكات والجدل القانونى.

وما فعله الشعب فى فرنسا وبريطانيا هو نزع للمشروعية القانونية لليمين دون ثورة، ومن خلال صندوق الانتخابات الحر النزيه المحاط بسياح حمائى قوى من الدستور والقانون والتقاليد المتعارف عليها والهيئات الرقابية والقضاء والشعب نفسه، الذى لا يمكن أن يقبل تزوير إرادته. لقد قرأت كتاباً قبل سنوات حرره عالم السياسة الأمريكى جون فوران بعنوان «مستقبل الثورات»، قال فيه إن «صندوق الانتخاب الشفاف» بات بديلاً عن الثورة فى المجتمعات الديمقراطية، أو هو «الثورة الجديدة» فى التاريخ البشرى التى أنهت الأنماط التقليدية المعروفة من الثورات. فالمواطنون هناك لا يحتاجون إلى الثورة على من بيده مقاليد الأمور حتى يخلعوه من منصبه، ويكفيهم الصبر عليه حتى تنتهى فترة حكمه التى تحددها الدساتير، ثم يصوتوا لرحيله، أو لإزاحة الحزب الذى يمثله عن السلطة.

لكن هذه الأطروحة لم تلق موافقة من بعض مؤلفى الكتاب الذين قدموا ردوداً قوية على كل من كان يعتقد بأن عصر الثورات قد انتهى، وقالوا إن الأجدر بالمفكرين مناقشة التغيرات التى طرأت على أساليب الثورات والثقافة السياسية المرافقة لها. فما دام هناك نظم حاكمة تمارس الاستبداد والاستعباد والظلم الاجتماعى المنظم والقهر وإهدار كرامة الإنسان فإن الثورة عليها أمر قائم وإن تأخر بعض الوقت.

لكن ها هم الناس فى فرنسا وبريطانيا يثبتون جانباً من أطروحة فوران، ويطلقون ثورتهم عبر صندوق الانتخاب، أى يحققون التغيير الآمن، الذى يمكن أن يمتد إلى سائر أوروبا فى قابل السنوات.