الشيخ ياسر مدين يكتب: كيف وصلتنا السُّنة؟ (11)

كتب: الوطن

الشيخ ياسر مدين يكتب: كيف وصلتنا السُّنة؟ (11)

الشيخ ياسر مدين يكتب: كيف وصلتنا السُّنة؟ (11)

وصلنا فى هذه السلسلة من المقالات إلى تدوين السُّنَّة النبوية على أيدى جيل أتباع التابعين، وهم الجيل الذى تتلمذ على أيدى التابعين الذين تتلمذوا على الصحابة الكرام، وتحدثنا عن الإمام مالك، أحد علماء هذا الجيل، وعن كتابه «الموطَّأَ» الذى وصل إلينا بصورته التى رواها عنه تلاميذه، وذكرنا أن الإمام مالك روى عن عدد كبير منهم «نافع»، الذى ذكرنا أنه كان له كتاب سجَّل فيه الأحاديث التى سمعها من مولاه الصحابى الجليل عبدالله بن عمر بن الخطاب، رضى الله تعالى عنهما، وقد دخل كتاب نافع هذا فى «موطأ مالك» من خلال تلمذته له وروايته عنه، وقد أشرنا إلى أن العلماء يقدرون رواية مالك عن نافع عن ابن عمر، ويعتبرونها من أصح الأسانيد حتى إنهم سموها سلسلة الذَّهَب!

وكتاب مالك هذا انتشر انتشاراً واسعاً، ورواه عنه علماء كثيرون ذكرهم مَن ترجموا للإمام مالك وكتبوا عنه، بل وصل الأمر إلى أن أفردت مصنفات خاصة تحصى رواة الموطأ، فهذا الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقى (ت 842هـ) له كتاب عنوانه «اتحاف السالك برواة الموطأ عن مالك»، ومعنى الرواية أنهم نسخوا الموطأ وقرأوه على الإمام مالك فى جلسات علمية خاصة، وممّن فعل ذلك الإمام محمد بن الحسن (ت 189هـ) تلميذ الإمام أبى حنيفة (ت 150هـ)، ومُدوّن مذهبه، حيث سافر للقاء الإمام مالك وقرأ عليه الموطأ وانتشرت روايته عنه حتى وصلت إلينا وطبعت بمصر، بل إن شيخه وزميله فى التلمذة على الإمام أبى حنيفة يعقوب بن إبراهيم المعروف بأبى يوسف القاضى (ت 182هـ) روى الموطأ، لكنه لم يروه عن مالك مباشرة، وإنما رواه عن رجل عنه، وممن رواه عنه مباشرة الإمام الشافعى (ت 204هـ) الذى قال فيه: «ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله تعالى أصح من موطأ مالك»، ورواه أيضاً الإمام أحمد لكن بواسطة، فهو لم يلقَ الإمام مالك. وقد وصلت إلينا أصول مخطوطة لهذه الروايات المختلفة للموطأ، وحُقّقت تحقيقاً علمياً دقيقاً موثقاً يقوم على قواعد علمية متفق عليها بين المعتنين بالتراث من عرب ومستشرقين، وطُبعت أكثر من مرة. وقد انتشرت نسخ الكتاب سواء بطريق الرواية أو بغيرها فى الأقطار والأمصار. ولم تكن عناية الأمة بالموطأ من جهة روايته فقط، ولا من جهة كثرة نُسخِهِ وانتشارها فقط، بل أقبل عليه علماء الأمة بتفسير ما فيه من كلمات غريبة، وشرح ما فيه من أحاديث، واستنباط الأحكام منها، وتخريجها...، وهذا كله يبين أن الموطأ وصل إلينا بطرائق علمية موثقة مستفيضة.

وهذا له معنى قد يغيب عن بعض الأذهان، وهو أن انتشار الكتاب بين أبناء الأمة بهذه الوثاقة يجعل الأمة كلها منذ عهد الإمام مالك رضى الله عنه وإلى يوم الناس هذا كلهم طبقة واحدة تلى طبقة الإمام مالك، بمعنى أن الكتاب وصل إلينا موثقاً كما روى عن الإمام مالك، وقد تلقيناه جيلاً فجيلاً حتى وصلنا بصورة علمية مستفيضة لا ارتياب فيها، فصار بهذا بيننا وبين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أفراد أو أربعة، هم الإمام مالك ومن يروى عنه، فمثلاً حينما يروى الإمام مالك عن نافع، عن عبدالله بن عمر أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانَ ثلاثةٌ فلا يَتناجَى اثنانِ دونَ واحدٍ»، وحينما يروى عن نافع، عن عبدالله بن عمر، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر، وهو يَذكرُ الصدقةَ والتعففَ عن المسألة: «اليدُ العُليا خيرٌ مِن اليدِ السُّفلَى»، واليدُ العليا هى المنفقةُ، والسفلَى هى السائلة. أقول: حينما يروى الإمام مالك هذين الحديثين بهذا السند، فمعنى هذا بجلاء أن الأُمَّةَ كلها فى كل أجيالها ليس بينها وبين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدر السنة المطهرة سوى ثلاثة هم: (مالك، ونافع، وابن عمر)، وعن هؤلاء الثلاثة تلقت الأمة الحديث تلقياً مستفيضاً ليس فيه أدنى ريبة أو شك.


مواضيع متعلقة