السيدة تحية.. والتاريخ!

شريف سعيد

شريف سعيد

كاتب صحفي

لم تكن عقارب الساعة فى القاهرة قد جاوزت الحادية عشرة مساءً، حين وجدت «الست تحية»، ذات الـ32 عاماً، زوجها ينهض من سريره نحو الدولاب، مخرجاً بدلته العسكرية فى مثل هذا الوقت من الليل! نهشها قلق غامض، ومرحت فى عبّها الفئران! خاصة أنه لم ينم منذ يومين!

فقررتْ أن تسأله -للمرة الأولى منذ زواجهما- عن وجهته، لكنه لم يرد بإجابة مطمئنة تدحض وساوسها؛ وإنما تعلل فقط بظروف العمل، بل وأكّدَ لها أنه لن يعود الليلة!

لكنه سيأتى ليتناول معها والأولاد فى اليوم التالى طعام الغداء، واستمر فى ارتداء ملابسه، ثم، بجوف يمور بعواطف شتى، غادر منزله فى «كوبرى القبة»، عقب أن أغلق من ورائه باب البيت، مترجلاً نحو صفحات ستُدَوَّن من أجله فى كتب التاريخ!

وحتى تكتمل وساوس «الست تحية» وظنونها فى تلك الليلة، وعقب أقل من ساعة، شرع دوى طلقات الرصاص، ولنحو عشر دقائق، يتردد من ناحية قصر القبة!

لكن ما الرابط بين الطلقات القادمة من ناحية قصر الملك وشريك حياتها؟!

هى أكثر من غيرها تدرك أنه لم يعد كما كان! خاصة عقب عودته من حرب 1948، لم يعد يخرج إلا بمسدس، وكأن أحدهم يتعقبه، أو أنه سوف يقنص أحداً!

لقد تضاعف عدد الضباط الذين يتوافدون عليه فى أوقات عادية، أو غرائبية!

وكل هذا غير ما وقعت عيناها عليه من أوراق، حدستْ أنها مسوَّدات منشورات ضد القصر والبريطانيين! فضلاً عن مختلف صنوف الأسلحة التى صارت تُشوَّن سراً فى البيت بعض الوقت قبل أن تُنقل إلى أماكن أخرى!

«الست تحية»، مثل أى زوجة مصرية أصيلة فى النصف الأول من القرن العشرين، كانت ترى هذا كله دون أن تتدخل فيما لا يصح لها أن تتدخل فيه من شئون زوجها العسكرية، خاصة أنه ضابط جيش ومدرس فى كلية أركان حرب، وحتماً فإن عمله هذا يُملى عليه أموراً لا يصح للست أن تسأل عنها، وكانت تجهض كل ما يساورها خوفاً على زوجها بالاستغراق فى تربية البنتين والولدين، إلى أن حلَّتْ تلك الليلة، حيث لم يعد لمسكنات الروح محلٌّ من الإعراب!

فبعد خفوت دوى الرصاص، تجاسرتْ الزوجة وخرجتْ إلى الشرفة المطلة من بعيد على المستشفى العسكرى (الكلية الفنية العسكرية الآن)، لكن ماذا رأت فى نحو الواحدة والنصف صباحاً؟!

وسط الظلام، وأسفل أعمدة إضاءة أنوارها حائلة اللون، رأت عند ناصية الشارع ضابطاً صارماً يشبه زوجها كثيراً، وله البنية الجسدية نفسها!

ظل يغير مسارات السيارات المارة إلى الشوارع الجانبية! بعد ذلك أخذتْ العربات المصفحة والدبابات تتدفق فى الشارع!

ما وقع فى قلب «الست تحية» أن هذه أمارات محاولة انقلاب عسكرى!

ولكن هل حقاً يمكن أن يكون لرجلها أى علاقة بهذا الصخب؟! ظلت الست تحية فى الشرفة بدمعها تفكر مرتابة ومتشككة! أخذت تعود بذاكرتها إلى الوراء متوقفة عند بعض المواقف الحياتية ذات الدلالة!

فقبل ولادة ابنهما خالد، عندما ضاعف الطبيب فجأة أجره وأجر المستشفى، غضب زوجها جداً قائلاً له: «هذا معناه أنت ترتفع ونحن ننزل»، وبعد ذلك صمَّم ألا يعود إلى هذا الطبيب المستغل الجشع ثانيةً.

كذلك تذكَّرت الكتاب الذى عثرتْ عليه فى الحجرة عن الصحابى الجليل «أبى ذر الغفارى» بوصفه أول اشتراكى فى الإسلام، وقد أخبرها حينئذ محذراً: «هذا الكتاب ممنوع فى مصر»، فضلاً عن تعجُّبها من تعمُّده الكتابة فجأة عبر الآلة الكاتبة حتى لا يترك على الأوراق أثراً بخط يده!

وفى أثناء عودتهم من الإسكندرية عبر الطريق الزراعى مؤخراً، كانت اللافتات التى كُتب عليها (تفتيش الأمير فلان، وتفتيش الباشا فلان)، وكلها أسماء لإقطاعيين وأمراء من الأسرة العلوية، يومئذ قال وهو يقود سيارته «الأوستن» السوداء: «لن تكون هناك أراضٍ ولا تفاتيش يملكها أمراء أو باشوات»، لكنها لم تنتبه جيداً لمغزى ما تفوه به! كل تلك المواقف -وغيرها- أخذتْ تفك شفرتها، وترتبها من جديد! ظلت «الست تحية» هكذا حتى الساعة السادسة والنصف صباحاً، حين طرق أحدهم الباب!

الطارق كان الضابط «ثروت عكاشة» الذى قال سريعاً ببشاشة واقتضاب: «أهنئك من كل قلبى، نجح الانقلاب»، ثم طمأنها على زوجها، وطلب منها قبل أن ينصرف أن تُنصت إلى بيان سيُبَث عبر الإذاعة فى السابعة صباحاً. ولعطل فى الإذاعة، بُث البيان متأخراً نحو نصف ساعة، وكان مقتطفه الأهم: «وعلى ذلك، فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا فى داخل الجيش رجال نثق فى قدرتهم، وفى خُلقهم، وفى وطنيتهم، ولا بدَّ أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب». وعقب نحو 15 ساعة، وفى العاشرة من مساء هذا اليوم الموافق 23 يوليو/ تموز 1952، وجدت «الست تحية» زوجها عند الباب؛ حبيبها البكباشى/ جمال عبدالناصر، عاد من أجل راحة ساعتين، حلق ذقنه، واستحم، وبدّل ملابسه، واحتضنها وروى لها كل شىء، بل أكد لها ضاحكاً أنه بالفعل مَن كان واقفاً عند ناصية الشارع عقب منتصف الليل كى يغلق بنفسه الطريق تأهباً لمرور الجيش! كان يحكى بفخر وحماسة، وبدا أنه سوف يقص المزيد، لكنّ الساعتين انفرطتا من بين أيديهما سريعاً، وكان عليه أن يعود إلى مقر القيادة العامة من جديد؛ فقد كُتب على «ناصر» فى عامه الـ34، وفى ظهره زوجة مثل السيدة/ تحية كاظم، أن يغير مجرى التاريخ، وليس الطريق فحسب.