خطوات لحل الإشكاليات
يعتبر ملف الحبس الاحتياطى من أهم الملفات وأكثرها جدلاً، التى يتم طرحها فى إطار حقوقى أو سياسى، إذ إن الحبس الاحتياطى كما عرفه الفقهاء القانونيون: «إجراء من إجراءات التحقيق غايته ضمان سلامة التحقيق الابتدائى من خلال وضع المتهم تحت تصرف المحقق لمنعه من الهرب أو التأثير على الشهود أو العبث بالأدلة أو تهديد المجنى عليه».
ولذلك فإنه لا يخرج عن كونه مجرد إجراء احترازى لا ينبغى له أن يتحول إلى عقوبة، لأن ذلك يتعارض مع مبدأ دستورى وقانونى راسخ وهو أن المتهم برىء حتى تثبت إدانته فى محاكمة منصفة وعادلة، ومما سبق يتضح أنه ينبغى أن يكون للحبس الاحتياطى كإجراء من إجراءات التحقيق ضمانات واضحة، تجعله لا ينحرف عن القصد المراد منه.
وقد أوضح دستور 2014 فى مادته 54 ضمانات واضحة للمتهم فى مرحلة التحقيق، كما رسخت المادة 96 من الدستور مبدأ أن المتهم برىء حتى تثبت إدانته، وعلى الرغم من وجود عدة ضمانات ومحددات للحبس الاحتياطى فى مواد قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م.
والتى كتبت فى سياق مختلف من الزمن، حيث إن هذا القانون قد تمت صياغته وإقراره فى منتصف القرن الماضى، وأما وقد تطورت معايير حقوق الإنسان، كما تطور علم الجريمة وعلم مكافحة الجريمة، وقواعد إحداث التوازن بين حق المتهم البرىء حتى تثبت إدانته، وحق المجتمع ومصلحته العليا فى تحقيق الردع العام والخاص، فأصبح لزاماً علينا أن نبحث فى صياغات جديدة تراعى كل ذلك.
وفى هذا السياق تشكلت لجنة فرعية من اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، لإعداد صياغة لمشروع قانون جديد للإجراءات الجنائية، يتضمن حلاً لإشكاليات الحبس الاحتياطى، وضمان التوازن بين حقوق الإنسان وحرياته من جانب، وضمان الأمن للمجتمع من جانب آخر، وقد شرفت بعضويتى فى هذه اللجنة باعتبارى وكيلاً للجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب.
وقد تلقيت دعوة من الحوار الوطنى الذى دعا إليه السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، للمشاركة فى جلسة تخصصية حول الحبس الاحتياطى، واستمر الحوار فى هذه الجلسة الثرية، التى ضمت كافة الآراء، من اليسار ومن اليمين، من المعارضة ومن الأغلبية، واستمر النقاش مدة 12 ساعة كاملة، طرحت فيها كل الآراء دون أى سقف، وبحضور المستشار محمود فوزى، وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسى، والدكتور ضياء رشوان، منسق عام الحوار الوطنى.
وقد تداولنا مجموعة من الإشكاليات كان أبرزها: تجاوز الحبس الاحتياطى فى تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الهدف المنصوص عليه دستورياً من خلال التوسع فى استخدام الحبس الاحتياطى حتى شارف أن يصبح عقوبة وليس إجراءً احترازياً.
وقد اقترحت فى هذه الجلسة المهمة عدة نقاط محددة للحل وكانت كالآتى:
1- تقليل مدد الحبس الاحتياطى عبر تعديل المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية لتضمن وجود حد أقصى واضح للحبس الاحتياطى وتخفيض مدته على النحو التالى:
- فى قضايا الجنح لتكون 4 أشهر بدلاً من 6 أشهر.
- وفى الجنايات 12 شهراً بدلاً من 18 شهراً.
- و18 شهراً بدلاً من سنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة السجن المؤبد أو الإعدام.
- وتحديد حد أقصى للحبس الاحتياطى من محكمة جنايات الدرجة الثانية أو محكمة النقض فى الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد ليصبح سنتين بحد أقصى بدلاً من عدم التقيد بمدد.
2- وضع مزيد من الضمانات الواضحة فى قانون الإجراءات الجنائية فى المادة 134 من القانون لضمان أن يبقى الحبس الاحتياطى إجراء احترازياً وليس عقوبة ويكون لأغراض (منع المتهم من الهرب، أو التأثير على الشهود، أو العبث بالأدلة)، مع التوضيح أن الحبس الاحتياطى يمثل استثناء وأن الأصل أن المتهم برىء حتى تثبت إدانته.
3- التوسع فى تطبيق بدائل للحبس فى القضايا البسيطة كبقاء المتهم فى نطاق جغرافى معين.
4- إصدار تقارير دورية من النائب العام للنيابات المختلفة بتحقيق ضمانات الحبس الاحتياطى ليبقى إجراء احترازياً دون أن يتحول لعقوبة لتحقيق القاعدة الدستورية أن الأصل فى المتهم البراءة، وأن تتضمن تلك الدوريات تنبيهاً لوقف تدوير المتهمين فى قضايا جديدة بذات الاتهامات بعد مضى مدة الحبس الاحتياطى.
5- تنظيم ندوات وورش عمل وحوارات مجتمعية بين كافة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى المهتمة بحقوق الإنسان ونقابة المحامين للتبصير بحقوق المتهم فى مرحلة التحقيق.
صحيح أن ملف الحبس الاحتياطى من الملفات المتشابكة فى إشكاليتها، ولكننا كذلك نمتلك فرصاً للحل ونقاطاً للقوة مثل نصوص الدستور المصرى، خاصة فى مواده ٥٤ و٩٦، وكذلك ما نصت عليه الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان من تحقيق ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة، ولذلك نعلم جيداً أن مشروع القانون هذا ينتظره الكثير من المصريين لما يعتبر من تطور كبير فى مجال حقوق الإنسان، ونسأل الله التوفيق فى ذلك
* وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين