الجماعة الإسلامية بمصر واقعها ومستقبلها (3)
قبل عزل الإخوان وهروب القادة لخارج مصر، التقيت رفاعى طه، الرجل القوى بالجماعة، وأحد مؤسسيها، وقائد معسكراتها بأفغانستان، فقال لى: إن أسامة بن لادن وضربْ برجى مركز التجارة العالمى فى 11 سبتمبر هما من أشعلا ثورة 25 يناير بمصر، وإن مقتل «السادات» ما كان إلا محاولة لإقامة الدولة الإسلامية عن طريق الثورة والانقلاب العسكرى، وإن الجماعة فى أفضل حالاتها، وإن استبدال كرم زهدى وناجح إبراهيم من القيادة هو الأفضل، وإن الجماعة أصبح لها وجود سياسى ملموس، رغم أنها خرجت منهكة من السجون، وإنه لم تحدث تحولات للجماعة فى مسألة العمل الحزبى، وهناك تشويش على فكر الجماعة قبل المواجهات، فنحن لم نكن نحرّم العمل الحزبى، وكانت هذه رؤى تعبر عن أصحابها، مثل كتاب «إعلان الحرب على مجلس الشعب»، ورغم أنه رُوّج له على أنه كتاب الجماعة فإن هذا خطأ، لكن لأغراض سياسية ودعوية.
اعتقد قادة الجماعة، وعلى رأسهم «رفاعى»، أن الفرصة مواتية أكثر من أى وقت مضى، وأن الجماعات بجميع فصائلها فى مسار الصدام والمفاصلة، وأن حالة الاحتقان السياسى وقضية المظلومية واضطهاد الإسلاميين يمكن توظيفها والترويج لها على أوسع نطاق، على خلفية الأحداث السياسية التى أعقبت تظاهرات 30 يونيو ضد حكم الإخوان، فضلاً عن إمكانية إطالة الصراع مع الدولة على أرضية الدفاع عما يعتبرونه حقوق الإخوان فى الحكم والسلطة، وأنهم باستطاعتهم تصوير الصراع على أنه دينى ضد الهوية الإسلامية والشريعة والثوابت، فضلاً عن توافر المحاضن والملاذات الخارجية ذات الدعم المادى السخى، وهذه العوامل مجتمعة شجعت قيادات الجماعة، المحسوبين على منهج الصدام المسلح، والخيارات العنيفة، على أن يدفعوا باتجاهها من جديد.
كانت هناك أسباب كثيرة لتحالف الجماعة الإسلامية المصرية مع الإخوان المسلمين، أهمها: تصور قياداتها بإمكانية عودة الإخوان للسلطة، ووجود داعم دولى وإقليمى لأول مرة لهذا الأمر، وأن مفاجأة وصول أحفاد «البنا» للحكم يمكن أن تتكرر، ولا ينفع بحال من الأحوال أن تتراجع للوراء وإلا ستخسر الإخوان كما ستخسر السلطة القائمة، بسبب ما فعلته أثناء حكم محمد مرسى وما قبله، وستخرج خالية الوفاض من كل شىء، كما أن عقلية الجماعة السلفية الأصولية ارتأت أن الإسلامويين هم أقرب لها من السلطة الجديدة، التى تراها علمانية عسكرية، مناهضة للشريعة، وأنه يمكن معاقبة هذه السلطة بالوقوف فى الخندق الإخوانى، وعلى هذا تجاوزت خلافاتها القديمة الأيديولوجية مع جماعة الإخوان والتنافس السياسى بينهما، لتكون عضواً فى تحالفها المضاد للجيش.
الجماعة الإسلامية بات يسيطر عليها بالفعل قيادات أقرب لجماعة الجهاد مثل طارق الزمر، وفيما يشبه الانقلاب الأبيض الذى تمت شرعنته تحت ستار تطوير الجماعة، تم إقصاء أغلب القيادات التاريخية، ومنهم فؤاد الدواليبى، وعلى الشريف، وحمدى عبدالرحمن، فضلاً عن اختيار أعضاء الجمعية العمومية من المقربين من صفوت أحمد عبدالغنى، كما الآخرون من الصف الثانى الذين أصبحوا يديرون التنظيم بالكامل، ممن أفرج عنهم من قضية اغتيال رئيس مجلس الشعب الأسبق، رفعت المحجوب، وكلهم زملاء «عبدالغنى» أيضاً، وهو من اختارهم بعناية، وهذا كله دفع فى الاتجاه الآخر القريب من الإخوان وليس البعيد عنه.
كانت الجماعة الإسلامية فى حاجة ماسة إلى الدعم المادى للوفاء بمتطلبات المرحلة، خاصة مع الفقر الشديد لغالبية أعضائها الخارجين منذ سنوات قليلة من سجون مبارك، لذا رضى قادة الجماعة الإسلامية بدور الرجل الثانى والذراع اليمنى للإخوان، وتنفيذ كل ما يطلب منها بشأن الحشود فى الصعيد.. إلخ، والإخوان كانوا قد حددوا للجماعة الإسلامية منذ البداية دور المساند والداعم لا دور الشريك، وكذلك رغبة القيادات الجديدة للجماعة فى الانتصار للخط الثورى والمنهج الانقلابى ورؤى التغيير الفوقى من خلال الوصول إلى السلطة، وهو الخط الذى تم إنشاء الجماعة فى البداية انطلاقاً منه، فى مقابل الرؤى التى حاول الإصلاحيون ترسيخها -وعلى رأسهم ناجح إبراهيم- وهذا التوجه صرح به عاصم عبدالماجد عندما هدد بثورة إسلامية تتغذى من روافد روايات المظلومية والاضطهاد، وتصوير الصراع على أنه صراع دينى وحرب على الهوية والمساجد، واعتماداً على التدهور الحاصل فى المشهد الإقليمى وانهيار بعض الدول العربية والإسلامية، كما فى العراق وليبيا، مع تعاظم نفوذ الميليشيات التكفيرية المسلحة، التى هى فى واقع الأمر أقرب من حيث التعاطف والولاء للجماعة الإسلامية من الدولة ومؤسساتها، التى يعتبرونها مناصرة للتوجه العلمانى.
وعقب عزل جماعة الإخوان من الحكم، بفعل تظاهرات حاشدة، وتدخل للجيش، اتخذت الجماعة الإسلامية استراتيجية جديدة، اتضحت معالمها باتخاذ العنوان الثورى سلاحاً لها (وفق طارق الزمر)، والالتفاف حول شباب الثورة، وخطاب التجميع للضغط على السلطة بمصر للحصول على بعض المكتسبات المحدودة، بعد محاولات الانسحاب الإخوانية، لتكوين جبهة مواجهة ترتكز على الرؤى الجهادية والخلفية السلفية الحركية، وترفض التنازلات التى يمكن أن يقدمها الإخوان للثوريين من أجل التوافق.
ما سبق كان معناه إمساك الجماعة العصا من المنتصف، فهى بيد فى الداخل المصرى تلوح بمبادرة وقف العنف، وفى الخارج تلوح بيد العصيان الثورية، والتحالف مع الإخوان.
كان هناك افتقار للجماعة الإسلامية خلال ركضها المتسارع نحو السلطة عن طريق القوة، وأزمة غيبتها الطويلة فى السجون، للرؤية الاستراتيجية المتكاملة، وهو الدافع الرئيسى لاتخاذها تلك الاستراتيجية التى أدت إلى انخراطها وراء الإخوان، وفى ذات الوقت حرصها طوال الوقت على إعلان وقوفها مع بنود مبادرة وقف العنف القديمة، رغم الممارسات العملية المخالفة لذلك، وهو ما أدى بالفعل إلى تذبذب واضح فى كل تصرفاتها التى أعقبت سقوط الإخوان، وأكثر من 20 مبادرة جديدة طرحتها من أجل إنهاء أزمة الإخوان والجيش المصرى.
انفصلت الجماعة الإسلامية خلف الإخوان عن الواقع، واعتزلت المشهد وسارت على نهجهم، وكانت أولى الصور فوق منصة رابعة، ورفضها المشاركة فى أية فعالية سياسية، رغم حرص الحكومة على عدم إقصائها بالكامل، أو شطب حزبها من أروقة لجنة الأحزاب السياسية، وبدأ عناصرها يتحدثون عن المظلومية التاريخية، والانقلاب على الإسلام، واستدعوا قصص قتلاهم فى التسعينات، ما وفر بيئة حاضنة للعنف، ولجماعات التكفير المسلحة فيما بعد، رغم أنهم خالفوا أبسط القواعد التى تحدثوا عنها فى مبادرة وقف العنف، وهى عدم تفريق المجتمع ودرء المفاسد التى قد تحل بسبب التنازع والصراع.
الدولة التى كانت منشغلة بما يكفى فى صراعها الدموى مع الإخوان، والجماعات المسلحة الجديدة، وتركت الجماعة الإسلامية، لذا فقد أقامت مؤتمراً بمحافظة المنيا حول مواجهة «داعش» وفكر التكفير، ورسم القيادى الكبير عبود الزمر صورة مثالية للجماعة على أنها بعيدة عن العنف، وأن منهجها الحقيقى هو الدعوة إلى الإسلام فقط، وأن ما جرى فى التسعينات من أحداث عنف كان حدثاً عارضاً، بسبب فخ نصبته لهم الحكومة، وأنهم لن يقعوا فيه مرة أخرى، وأن الجماعة هى البديل عن جماعة الإخوان والسلفيين، لأنهم ضربوا المثال على ذلك بعد الثورة، إذ إنهم لم يمارسوا العنف مطلقاً، ووقفوا بجوار الدولة المصرية فى كل مواقفها، وأن من ارتأى غير ذلك فهو حر فى رأيه، لكن عليه أن يقترب من الجماعة ليرى بنفسه.
ما ذكره «الزمر» مخالف لما كان يجرى على الأرض، حيث تم ضبط خلية متخصصة فى تفجير سيارات الشرطة تابعة للجماعة عقب المؤتمر مباشرة، وهم كريم سجلى، وأحمد قنديل، وإبراهيم أبوطالب، وهذا غير الخلايا الأخرى التى يدّعى التنظيم أنه لم يكلف أحداً منهم بذلك، وكلهم اعترفوا أنهم فعلوا ما فعلوا نتيجة التحريض المباشر وغير المباشر لقيادات الجماعة.
نجح «الزمر» بالفعل فى تصدير صورة مغلوطة للدولة على أن الجماعة الإسلامية أصبح حجمها كبيراً جداً، وأن لهم شرائح متنوعة فى كل المجتمع، وأنهم يخشون اتجاه أتباعهم للعنف حال أغلقت عليهم الدولة كل المنافذ، وأنهم سيواجهون «داعش مصر»، وسيقيمون مؤتمرات لمواجهة فكر التكفير.
بدأ قادة الجماعة الإسلامية فى إظهار بعض المرونة كمقالات عبود الزمر، وموقف بدرى مخلوف، بعد التيقن من هزيمة الإخوان، وبعد النشاط الملحوظ لحركة الانشقاقات داخل الجماعة.
فى هذه الآونة وقعت المشاجرات بين ما يسمى جبهة «تمرد»، وجبهة «إصلاح الجماعة»، فكل منهم يريد أن يكون متحدثاً إعلامياً، وكل منهم بدأ يلقى الاتهامات على الآخرين أنه سبب فى أخذ المساجد من الجماعة وإعادتها للأوقاف، حتى فؤاد الدواليبى، رئيس الجبهة، لما رفع أحدهم قضية لحل «البناء والتنمية» قال أنا ضد ذلك، فأنا مع بقاء الجماعة وإصلاحها من الداخل، وكذلك قال القيادى التاريخى على الشريف، فيما التزم مؤسس الجماعة، صلاح هاشم، الصمت كعادته، واستمر عبدالآخر حماد فى فتاواه المتعددة، وهنا بدأت التحولات الحركية فى الجماعة.. وللحديث بقية.