مدحت صالح.. صييت مصر صاحب الكوكب الثاني

رحاب لؤي

رحاب لؤي

كاتب صحفي

فى منطقة، يقف فيها وحده، ولا يقترب منه كثيرون فيها، يواصل مدحت صالح رسم صورته فى أذهان المصريين على طريقته الخاصة جداً، الرجل الذى تشارك مع ملايين الشباب فى محاولة البحث عن «كوكب ثانٍ» أرادوا جميعاً الحياة عليه بعيداً عن حروب كوكبنا الحزين، بكل إخفاقاته وأحزانه وأزماته، استطاع أن يرسم خريطة لمجموعة من المشاعر، يمكن لمن يستمع إلى صوته أن يهتدى إليها بسهولة.

الشيخ محمد صالح، الذى احترف قراءة القرآن لعامين، صار لاحقاً الفنان مدحت صالح الذى يعرفه الجميع، لا يخجل من أى تفصيلة تتعلق بذكرياته، أذكر حين قال فى حوار سابق له مع الإعلامية منى الحسينى: «أيوه غنيت ورا رقاصة درجة تالتة مش مصرية، وسافرت رجعت بلدها».

صاحب الصوت الاستثنائى المولود فى 2 نوفمبر، لا يخبرك على وجه التحديد عن عام ولادته، كما لا تمنحك العديد من المواقع إجابة دقيقة، وهو أمر قال عنه سابقاً: «ماعرفش مولود سنة كام.. سننونى وأنا صغير عشان يجوزونى بدرى» يقولها ضاحكاً، بينما يبدو أن الشاب ذا الوجه المستدير والصوت الساحر قد حقق آمال عائلته، وما بعدها، بقوة، حيث تزوج ثلاث زيجات قبل إتمام الـ25 من عمره، الأولى فى عمر الـ19 والثانية فى عمر الـ21 والثالثة فى عمر الـ23 عاماً.

لا يعلم كثيرون أنه حاصل على ليسانس آداب قسم تاريخ وحضارة جامعة الأزهر، لكن الجميع يعلمون تلك الحالة الساحرة التى يتركها صوته، لن يفاجئك كل عام بألبوم أو يشوقك على مدار أعوام طويلة إلى عمل جديد، لكنه سيصحبك طوال العام، بطريقته، بشكل لن تنساه.

أحاول أن أتذكر كم مقطع موسيقى ظهر بشكل عابر فى فيلم من الأفلام تحول إلى أيقونة، كما فعلها مدحت صالح فى فيلم «أمير الظلام»، تأملت وجوه حضور حفلته فى العلمين طويلاً، هؤلاء الذين طالبوه بإعادة المقطع مرة بعد أخرى، فيما هو يشدو: «النور مكانه فى القلوب» تلك الكلمات التى تحولت بصوته إلى أنشودة أمل: «يا تكون قد الحياة.. يا تعيش وحيد وسط الدروب».

ليس ثمة لقب بعينه يرتبط بمدحت صالح، لكننى إن أردت أن أصفه فسوف أقول عنه: «صييت مصر»، هو ذاته اللقب الذى سبق وحازه فى نطاق حى شبرا الذى لقب فيه خلال مرحلة زمنية سابقة بـ«صييت شبرا» الرجل المشهور فى الأفراح والمناسبات السعيدة الذى يطرب الناس بصوته الجميل وأغانيه المختارة.

رغم إجادته الشديدة للتمثيل، إلا أنه لم يخض التجربة إلا مرات معدودة، ولا يزال دوره فى «أبو العروسة» عالقاً فى ذهنى، أدواره الكوميدية فى السينما والمسرح والتليفزيون، لا يصدق من يشاهدها أن صاحبها هو نفسه الرجل ذو الصوت الشجى والشخصية شديدة الحساسية واللطف.

اختار مدحت صالح الاختيار الأصعب فى حياته، أن يفعل ما يحب، بصرف النظر عن ردود الفعل أو المسميات، المهم أن يبقى متسقاً مع ذاته، وربما لهذا تبقى أغنياته الرقيقة عالقة فى الأذهان بقوة، وربما كوبليهات بعينها: «فيه ناس كتير ترضى المصير وناس تشوف بضمير ضرير».

الفنان القدير الذى يحفظ القرآن الكريم كاملاً بالتجويد، لديه عادة تعبر بقوة عن اتساقه مع ذاته، وعن تلك الروح الطيبة جداً هناك فى أعماقه، هي عادة إطعام الحيوانات الضالة، وخاصة قطط الشارع، وهو أمر لم يتمكن من إخفائه، ما زال ذلك المقطع الشهير له وهو يمسك بطبق تيركوازى، وملعقة، يضع الطعام، أمام كل قطة أمام منزله وحدها، ثم ينتقل إلى التالية، ينحنى ليطعم الكائنات الصغيرة التي تعرفه بالتأكيد حين يمر إلى جوارها، تعرف أنه «إنسان طيب» تماماً كما يعرفه المصريون أنه «فنان جميل».