التعليم و«ترامب» وفتاوى مصر
أجواء الثانوية العامة تهيمن على البلاد. هى مولد كل عام منذ عشرات السنين، ولكن ألم يحن الوقت لإنهاء هذا المولد، ووضع هذه السنة الدراسية فى المكانة المناسبة لها، دون تهويل مرعب أو تهوين لا يناسب سنة مهمة فى المسيرة الدراسية؟!
سنة مهمة؟ نعم! سنة تدفع الأهل للاستدانة وقصقصة ميزانية الأكل وشيوع النكد والبؤس والشقاء فى البيت؟ لا! سنة تنتهى بانتحار طالب لأنه لم يحرز الدرجات التى كان يصبو إليها، أو هروب طالبة من البيت خوفاً من رد فعل والديها، أو تصور الأسرة أن مستقبل الابن أو الابنة قد انتهى قبل أن يبدأ، لأن مجموع الثانوية العامة خيب توقعاتهم؟ لا، وألف لا!
لن أدلى بدلوى فى نظام الثانوية العامة الجديد ولا القديم. هذه ليست المشكلة، المشكلة تكمن فى نظام تفكير جديد. هل المصريون يريدون إصلاح التعليم حقاً، أم مجرد كلام فقط؟ وأشير هنا إلى أن التغيير، أى تغيير له ثمن، بمعنى أن آثاره لا تظهر بين يوم وليلة، بل يستغرق بعض الوقت، شرط أن يكون تغييراً مدروساً ومخططاً ومعروفة جدواه على المديين المتوسط والبعيد.
بصفة شخصية، كل ما أتمناه لطلاب وطالبات مصر أن ينتقلوا من مرحلة الحفظ الأصم والتلقين الميت إلى الفهم والتفكير. أى نظام سيدعم هذا التحول فعلاً لا قولاً، وتتوافر فيه عوامل الاستدامة، سأدعمه بدورى.
دورى سباق الرئاسة الأمريكى على الجانب الآخر من العالم لا تنقصه الإثارة أو يفتقد التشويق. وما «محادثة» المرشح الجمهورى والرئيس السابق دونالد ترامب ورجل الأعمال البليونير المثير للجدل إيلون ماسك الذى يمتلك عشرات الشركات المتفردة فى مجالات تكنولوجية تتعامل مع الإبرة والصاروخ، ومنها منصة «إكس» (تويتر) إلا حلقة فى مسلسل سنتابعه حتى نوفمبر المقبل.
تابع المحادثة «لايف» ما يزيد على مليون شخص. وتابعها -وما زال- على أثير السوشيال ميديا بعد انتهائها ملايين الأشخاص. محتوى المحادثة، أو المقابلة، جدير بالتحليل، لكن النقطة الرئيسية فيها هى أنها تعد بمثابة نقطة انطلاق جديدة لحملة ترامب الانتخابية، وذلك بعد ما جاءت مرشحة الحزب الديمقراطى كامالا هاريس بعد انسحاب بايدن، لتقلب الموازين والتوقعات رأساً على عقب، لذا فإن ثمة قولاً واحداً وهو أن المنصات والأدوات الرقمية فى القلب من انتخابات أقوى دولة فى العالم.
وللعلم، قائمة أقوى عشر دول فى العالم تختلف مكوناتها من تصنيف لآخر، وبحسب الجهة المصنفة، لكن تبقى أمريكا على رأس كل تلك القوائم، بغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا على سياساتها وأولوياتها.
أولوياتنا فى السؤال تستحق نظرة عميقة ومتأنية من فضيلة المفتى الدكتور نظير عياد. هناك وجهة نظر تقول إن على رجل الدين العالم الدارس المؤهل أن يرد على كافة الأسئلة التى ترده. هل شرب الماء وأنا صائم وساهٍ يفطر؟ هل منع زوجى لى من زيارة أهلى يجوز؟ على اطلاعى على الرسائل فى هاتف زوجى المحمول حرام؟ هل ضرب زوجتى بغرض التأديب والتهذيب يجوز؟ ما دعاء دخول الامتحان والخروج من الحمام وركوب المواصلات ورد المطلقة وجلب الحبيب وغيرها من الأسئلة تعكس هيمنة نوع ودرجة معينة من «الثقافة» على الناس. وسبب هذه الهيمنة أنها دائرة مغلقة، حيث لا يسمح بدخول عناصر جديدة أو تنقيح الموجود أو تطهير خطاب الأولويات.
وجهة نظر أخرى، وأنا من أنصارها، ترى أن مهمة رجل الدين ليست فقط الإجابة عن الأسئلة بغض النظر عن مدى سطحيتها أو أهميتها، ولكن مهمته أيضاً المساهمة فى تنقيح الأدمغة. هل يعقل أن نظل نسأل أسئلة تعنى أن العقل الجمعى عاد إلى العصور الوسطى فيما يتعلق بقضايا عدة، مثل المرأة التى يبدو أنها تهيمن تماماً على عقلية الملايين، وذلك فى ضوء تخصص البعض من رجال الدين فى صناعة هالة حولها جعلت منها فى العقد الثالث من الألفية الثالثة كائناً دونياً، فاقد الأهلية؟ هل يعقل أن يظل البعض معتقداً أن الدعاء وحده كاف لعلاج الفقر والنجاح فى الامتحان ودرء العدو وتحرير الأرض وتحسين الطقس.. إلخ؟
سعدت جداً حين عرفت أن فضيلة الدكتور نظير عياد من أنصار تجديد الخطاب الدينى، لا سيما أنه يدعم وينتهج النهج الوسطى. شخصياً، أرى أن دعوة الرئيس السيسى قبل ثمانى سنوات بضرورة تجديد الخطاب الدينى وتنقيحه مما لحق به من شوائب التطرف والتشدد وقفز جماعات الإسلام السياسى عليه وتنصيب البعض لأنفسهم «رجال دين» دون شرط العلم أو الدراسة وتمدد «علومهم» إلى شئون الطب والهندسة والجغرافيا والتاريخ والقانون والتجارة والصناعة والزراعة حتى صار الشارع لهم، لم يتم تفعيلها بعد بالسرعة والشكل وتضافر الجهود المرجوة.
الأمل المعقود على فضيلة المفتى الجديد كبير، لأن مصر تستحق أن تعود إلى منصات التنوير والثقافة والتحضر والوسطية.