محاولة التجديد لأدوات ومعطيات ومفاهيم المؤسسة الدينية السنية الإسلامية المصرية الأهم فى العالم الإسلامى «وزارة الأوقاف، ودار الإفتاء، والأزهر الشريف» ليست قاصرة فقط على تجديد الخطاب الدينى، كما كتبت من قبل وكتب زملاء آخرون، بل هناك جانب مهم للغاية هو التجديد فى استراتيجية التعامل مع العاملين داخل تلك المؤسسات بشكل عام، ومع العاملين بالأزهر الشريف بشكل خاص، والخصوصية هنا جاءت لكون الأزهر «جامع وجامعة ومعاهد» منتشراً فى كل أنحاء الدولة المصرية، ويقبل عليها الكثير من أبناء المجتمع المصرى والعربى، وحتى العالمى من المنتمين للقارات المختلفة ويدينون بالدين الإسلامى.
دعانى إلى معاودة الكتابة فى هذا الملف تلك الاستقالة التى مدّنى بنسخة منها «حمادة فكرى أبوالفتوح» وهو واحد من الأساتذة الأكفاء والمشهود له من الجميع فى تدريس اللغة العربية وكان أحد المعينين فى واحد من المعاهد الأزهرية ولكنه استقال منه لأسباب شرحها فى استقالته، التى وجدتها فى غاية الأهمية لكونها ليست مجرد استقالة عادية بل ترمى لأبعد من هذا بكثير، حيث قال فيها:
«إلى صاحب الفضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، يشرفنى أن أقدم طلب استقالتى عن العمل والاستغناء عنه تماماً والبحث عن عمل حر أجد فيه معانى العزة والكرامة والمجد، أما العمل فى الأزهر فوجدت فيه معانى الذل والاستعباد، فجاء قرار استقالتى عن طيب خاطر وقلب مطمئن ونفس راضية، أما الأزهر الذى كنت أبحث عنه فى الكتب فلم يعد منه سوى جدران ومؤسسات بلغ الظلم فيها أعلاه، ووصل الفساد أقصاه، وأعلم أن العمة فى الأزهر عمتان «قمم ورمم»؛ أما القمم فهم مغمورون، وأما الرمم فهم ظاهرون!!، وأرثى الأزهر فى القيادات التى جعلت منه قشة فى مهب الرياح ومطبعة رخيصة لتبرير الاستبداد والتواطؤ على الفساد، واتسم هؤلاء بالبيروقراطية المستبدة والدوجماطيقية الفجة والعقول المبتسرة، ولا أملك إلا أن أقول رحم الله زماناً كان للأزهر فيه رجال يدافعون عن قلاعه الرشيدة وحصونه المجيدة، ومجده التليد، وأعلم أننى وقفت أمام جبال الظلم والفساد ولم أعرف الانهزام والاستسلام وكسرة راية الظالمين، وجعلت راية الحق عالية خفاقة وأعطيت لهم درساً بأن الحق أكبر منهم».
تم قبول الاستقالة وخرج الرجل من التدريس داخل أروقة الأزهر وللعلم «تم تعيينه مباشرة فى نظام التعليم العام لما يتمتع به من كفاءة»، ولكن الغريب أن الاستقالة لم يتم فتح التحقيق فيها، هكذا حدثنى الرجل وأكد لى أن من ضمن الأسباب الرئيسية للترقى والوصول للمناصب داخل الأزهر هو السلاح النووى «المأكولات البحرية بكل أنواعها» التى تستقر فى بطون بعض القيادات.
وبالعودة للاستقالة نجد فى فحواها أسباباً تضفى بظلالها على ملامح أخرى من «العطب والتعسير داخل المؤسسة الأزهرية» يجب أن يتم طرحها ومناقشتها خلال الفترة المقبلة، لأن هؤلاء الأساتذة بكل درجاتهم سواء كانوا فى المعاهد أو الكليات الأزهرية هم بمثابة الجنود الذين يجب أن يعول عليهم مشروع تطوير الخطاب الدينى، خاصة أساتذة المعاهد الأزهرية لأنهم المكلفون الأوائل بتربية وتنشئة أبنائنا من الطلاب الأزهريين على أسس سماحة الدين ونبذ العنف والاستغناء عن العنصرية والطائفية ومحاربة الفساد.
بعد مطالعتى للاستقالة وجدت نفسى أمام سؤال صعب، وهو: كيف لهذا المدرس أن يعلم التلاميذ والطلاب كل تلك القيم الدينية والإنسانية السمحة وهو افتقدها فى تعاملات رؤسائه معه؟ صحيح أن بعض العبارات التى وردت باستقالة الأستاذ حمادة فكرى جاءت صعبة، ولكننى تعمدت عدم حذفها لأنها بمثابة صرخة قوية جاءت من داخل البيت، وشهادة غاية فى الأهمية شهد بها واحد من داخل الأزهر نفسه، لذلك يجب مراجعة ومناقشة الكثير من الأمور التى تدور داخل أروقة وكواليس ودهاليز مجتمع «الجبة والقفطان».