مبادرة «التنظيم الذاتي» ضرورة إعلامية
تحتاج صناعة الإعلام فى مصر إلى مقاربة جديدة يمكن من خلالها الحد من الانتهاكات والمخالفات التى تلقى بأعباء كبيرة عليها، وعلى الدولة والمجتمع، فى آن واحد.ولعل مصدر تلك المقاربة يجب أن يكون الإعلاميين أنفسهم، أى العاملين فى تلك الصناعة، الذين يجب أن يدركوا خطورة ترك الأمور لمقتضيات المنافسة، وتغييب القواعد المهنية والأخلاقية، تحت ضغط النزعة التجارية.
تقوم جهات التنظيم والضبط الإعلامى فى مصر بجهود متواصلة من أجل الحد من المخالفات والانتهاكات، لكن تلك الجهود تبقى قاصرة عن ملاحقة التجاوزات المتكررة، والأخطر من ذلك أنها لا تحظى بدرجة مناسبة من التوافق والامتثال بين أطراف الصناعة نفسها، وبالتالى تفقد قدراً من فاعليتها.إن مبعث كل جهد ذاتى لتطوير صناعة الإعلام الوطنية يجب أن يكون منطلقاً من فهم عميق لنظرية «المسئولية الاجتماعية»، التى بُنيت على فكرة مراعاة التوافق بين صالح الفرد وصالح المجتمع.
فصناعة الإعلام الخالية من القيود -حسب النظرية الليبرالية- تهتم بتحقيق الربح على حساب الصالح العام، والإعلام المُقيد بآليات الضبط الصارمة والتوجيه الشامل، عادة ما يفشل فى تحقيق رسالته، لكن الإعلام الذى يوازن بين الحرية والمسئولية يمكنه أن يحقق المعادلة الصعبة، من خلال تحقيق الصالح العام، وتحقيق الأرباح فى الوقت نفسه.
وتستند نظرية المسئولية الاجتماعية على ثلاث ركائز رئيسة؛ تتصل أولاها بالوظائف التى ينبغى أن يؤديها الإعلام المعاصر على الصعد المختلفة، فيما تتعلق ثانيتها بمعايير الأداء الإعلامى التى تشكل فى مجملها الضوابط الأخلاقية والقانونية التى تحكم الممارسة الإعلامية، والتشريعات والقوانين والمعايير المهنية، التى تضعها الهيئات الضابطة والنقابات.
أما الركيزة الثالثة، فتنبع من إدراك الجماعة الإعلامية نفسها لمسئوليتها الاجتماعية، وحرصها على التزام القيم المهنية والأخلاقية بشكل طوعى، بما ينعكس إيجاباً على الممارسة الإعلامية العمومية، ويحقق مصالح الأطراف المستفيدة منها بقدر من العدالة والتوازن ومن دون جور أو إسراف.
وربما يبدو الحديث عن الأخلاق والالتزامات الطوعية فى عالم الإعلام اليوم أمراً غريباً. وربما يعتقد البعض أن مثل هذه الاعتبارات ليست سوى مقولات إنشائية لا يوجد تطبيق فعلى لها على أرض الواقع.
لكن على العكس من ذلك تماماً، فما زالت الوقائع، فى عدد كبير من بلدان العالم، تؤكد أن الالتزامات الأخلاقية ظلت حاكماً رئيساً لنجاعة الأداء المهنى، وشرطاً واجباً لضمان حماية مصالح الأطراف المتصلة به.
لذلك ظهرت مواثيق الشرف الإعلامية، كما ظهرت أدلة العمل التحريرى، إضافة إلى ميراث كبير من آليات «التنظيم الذاتى» للعمل الإعلامى، وهى آليات استهدفت جميعها تعزيز الممارسة الأخلاقية، ومحاولة الحد إلى أقصى درجة ممكنة من الأضرار غير الموضوعية، التى يمكن أن تسببها الممارسات الإعلامية لبعض الأطراف.
ويمكن القول إن ميراثاً كبيراً من أدبيات الضبط والتنظيم ومواثيق الشرف، التى استهدفت تعزيز النزعة الأخلاقية فى الممارسة الإعلامية العالمية، ترك أثراً يمكن قياسه فى جودة المواد الإعلامية التى تم بثها للجمهور على مدى قرن من الزمان، مع الإقرار بالطبع أن تلك الممارسات حفلت فى بعض الأحيان بالإساءات والحدة والإضرار بمصالح الأطراف فى نظم إعلامية مختلفة.
و«التنظيم الذاتى»، الذى طرح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مبادرة بشأن تفعيله فى المجال الإعلامى مطلع الأسبوع الجارى، هو ببساطة مزيج من المعايير التى تحدد أنماط الأداء المناسبة لوسائل الإعلام، بما يضمن لها الحفاظ على حرية الرأى والتعبير من جانب، ويصون مصالح الجمهور والأطراف المعنية من جانب آخر.
ويُعد «التنظيم الذاتى» أحد المكاسب المتولدة عن تفعيل نظرية المسئولية الاجتماعية فى العمل الإعلامى، ويعكس نمط التزام طوعى من قبَل العاملين فى المجال الإعلامى بمبادئ وقيم وأساليب عمل لا تُغلب الاعتبارات الربحية والدعائية على المعايير المهنية والمسئولية تجاه الجمهور.
إن التغير الذى طرأ على المجال الاتصالى العالمى، وأدى إلى التزاوج الكبير بين منتجات أقنية الإعلام «التقليدى» و«الجديد»، منح تلك المنتجات طاقة انتشار وتأثير هائلة، لكنه أكسبها سمات شعبوية وإثارية فى الوقت نفسه، كما حرض مهنيين فى صناعة الإعلام على انتهاج ممارسات خاطئة تحت ضغط المنافسة.
لذلك، كانت دعوة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أطراف الصناعة للتناقش بشأن مبادرة «التنظيم الذاتى» موفقة وضرورية، لأنها تسعى إلى الاعتماد على طاقة المهنيين أنفسهم فى تحسين أساليب عملهم وترقية منتجهم.
ويمكن تعريف «التنظيم الذاتى» بشكل مبسط بأنه نمط من أنماط التنظيم الطوعى الداخلى الذى ترتضيه منظومة أو مؤسسة إعلامية لذاتها، بشكل يضمن لها حرية عملها، ويفرض عليها التزامات أخلاقية ومهنية، تؤطر أداءها وتعزز مصداقيتها لدى جمهورها، وتضمن لها سبيلاً إلى إصلاح الأخطاء والتطوير المستمر.
وبينما يصعب جداً تجاهل الممارسات الحادة وغير المهنية التى يرتكبها بعض الإعلاميين فى مصر راهناً، يصعب أيضاً أن نصدق أن الحد من تلك الممارسات الضارة يأتى عبر القمع أو الرقابة أو الزجر.
ولذلك، فإن «التنظيم الذاتى» سيكون تلبية لاستحقاق ضرورى تأخر كثيراً، وسيعكس اتساقاً مع التطورات الإعلامية العالمية، ومحاولة فعالة للحد من انفلاتات الأداء الإعلامى والممارسات الضارة التى يحفل بها، وطريقة حيوية للحفاظ على حرية الرأى والتعبير.