العند و«زناخة العقل»
افتقاد البوصلة أبرز مؤشر على التخبط، بل هو المقدمة الأساسية للتخبط، ويتوازى معه فى الأثر العناد، فالعند يؤدى إلى التخبط، والشخص العنيد هو أكثر البشر تخبطاً فى الحياة. وثمة فارق بين العناد كفعل دال على الإصرار، والعند كفعل دال على تحكيم الرأى، وتصليب العقل، وعدم رغبة الإنسان فى الاستماع إلى صوت آخر غير صوته. العند بالمعنى الأول تجده حاضراً فى المثل المصرى الشهير الذى يقول: «العند للرجال»، فالمقصود بالعند هنا «الإصرار»، أما بالمعنى الثانى فتجده فى العبارة التى يصف بها المصريون محدودى التفكير بـ«زناخة العقل».
من اللافت أن تجد أن القرآن قد تحدث بشكل سلبى عن الشخص العنيد، واعتبره إنساناً متخبطاً، وصنّف المجموع الذى يطيعه أو يسير خلفه بالتخبط أيضاً. يقول الله تعالى فى وصف «عاد» قوم نبى الله «هود»: «وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ»، فالعنيد بطبيعته جبار، والجُبر معناه غياب الإنسانية، وتعطيل الضمير، وتحييد العقل، وطاعة هوى النفس، والاستكبار على الآخرين. كل من يتسم بهذه التركيبة لا بد أن يكون متخبطاً، أما السائرون نياماً من خلفه فلا بد أن يكونوا جاحدين بخالقهم، عاصين لصوت العقل والضمير الذى يمثله رسل الله، وفى ذلك قمة التخبط.
كل جبار خائب، وسبب ذلك هو تخبطه. يقول الله تعالى: «وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ»، فما من إنسان يطلب الفتح من الله، أو يستنصره ضد أى جبار عنيد، إلا ويجد الله إلى جواره، ينصر مَن كانت بوصلته السماء، ويضرب بالخيبة والتخبط كل متجبر عنيد. والعند كما تعلم يورث الكفر.. يقول تعالى: «أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ». ومن مؤشرات التخبط أن يعاند الكبير مَن يتوجب عليه الاستماع إلى صوت شكواه أو أنينه، فى التاريخ العديد من الأمثلة على كبار عاندوا المجموع ولم يستمعوا لنداء أفراده، واكتفوا بالسماع إلى صوت كِبرهم، وأخذوا يتخبطون حتى ضربتهم الخيبة.
لقد ظل كبار أهل مكة يتخبطون سنين عدداً فى مواجهة رسالة النبى، صلى الله عليه وسلم، خرجت من بينهم أصوات عاقلة عديدة تدعوهم إلى ترك العناد والاستماع إلى ما يقول النبى، فإن وجدوا خيراً أخذوا به، وإذا لم يجدوا تركوه فى حاله، فإن مكّن الله له فسيصب نصره فى حجرهم، وسيصيبهم خيره، لكن الكِبر أخذهم، وعاندوا ناصحيهم. لقد ضربهم التخبط فأخطأوا فى تقدير الموقف، نظروا إلى العبيد والموالى الضعاف الذين آمنوا بمحمد، وإلى من ناصره من أهل المدينة، فقدروا أن من السهولة بمكان الانتصار عليه والقضاء على دعوته.. كيف لا وهم الأكبر عدداً والأغنى عدة؟ من ينظر إلى الحوارات التى دارت بينهم بعد نجاة القافلة التى كان يقودها «أبوسفيان» وقرر المسلمون مهاجمتها، وكانت سبباً فى نشوب معركة بدر، سيلاحظ حالة التخبط التى سيطرت على تفكير عمرو بن هشام (أبوجهل) وأمية بن خلف، وغيرهما من صناديد قريش، وكيف أخذهم الكبر والعناد، وصمموا على حرب محمد رغم نجاة القافلة، ولم يستمعوا إلى صوت الحكمة الناصح لهم بالتراجع، فكانت نهايتهم نهاية كل جبار عنيد.