إنه «يس عبدالغفار»

أول مقال أحتار فى اختيار عنوان يليق بقيمة وقامة صاحبه، لأن كل الألقاب مثل العبقرى والفذ والمرموق وحدها لا تكفى هذا العالم الجليل، ولكن الاسم وحده يُغنى. إنه «يس عبدالغفار» الذى كان نموذجاً متفرداً لم تزل مصر تنعم بآثار جهده المتواصل لخدمتها وخدمة الإنسانية حتى آخر لحظة فى حياته، ولا يُذكر اسمه إلا بكل خير.

صاحب سيرة ومسيرة طيبة وعطرة، قدّم خدمات جليلة لبلده، وكان مخلصاً للعلم، راهباً فى محرابه، ولا يشغله سوى مهنة الطب وهموم المرضى.

لم أتشرف بلقائه لأنه رحل عن دنيانا منذ ربع قرن، ولكن ما سمعته عنه من تلاميذه الذين هم الآن «كبار العلماء» حكايات أغرب من الخيال لا يفعلها إلا نماذج من البشر زرع الله فى قلوبهم الرحمة، أقلها مثلاً أن «د. يس» حينما يسير فى الشارع مترجلاً أو بسيارته كان ينظر إلى البسطاء ويكتشف فيهم مرضى بالكبد ويطلب منهم الحضور إلى عيادته لفحصهم وعلاجهم مجاناً.

«رحمة الله عليه»، كان منظومة من القيم والأخلاق تسير على الأرض ومدرسة تخرّج فيها علماء كثيرون أضاءوا الدنيا فى مصر وخارجها.

أعماله الجليلة سوف تظل باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فهو مؤسس لأول وأهم معهد متخصص فى أمراض الكبد والجهاز الهضمى فى مصر والمنطقة، وهو أول من فكر وقرر ونفذ أول عملية زراعة كبد فى منطقة الشرق الأوسط، والتى فتحت باب الأمل أمام ملايين المرضى بإنقاذ حياتهم.

الجليل الراحل «يس عبدالغفار» وُلد فى محافظة المنوفية عام 1917 وتوفى عام 1999 عن عمر يناهز 82 عاماً وحصل على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة فؤاد الأول ديسمبر 1940، ثم زمالة الكلية الملكية بلندن فى 1944 والدكتوراه من جامعة القاهرة فى 1945، ثم زمالة الكلية الملكية بلندن فى 1975، والدكتوراه الفخرية من جامعة المنوفية 1982، ثم الدكتوراه الفخرية فى العلوم من جامعة ستراثكلايد باسكتلندا 1991.

كما عُين فى «طب قصر العينى»، ثم انتقل إلى كلية طب عين شمس عند إنشائها. حصل على معظم الجوائز والأوسمة المحلية والعربية والدولية تقديراً لإسهاماته العلمية التى أفادت البشرية، كما أنه حصل على جائزة طبيب العرب الأول عام 1991. عالمنا الجليل «يس عبدالغفار» صاحب الأيدى البيضاء، أنشأ مركزاً خيرياً علاجياً وبحثياً لأمراض الكبد بالقاهرة ما زال حتى الآن يقدم خدماته لفقراء المرضى منذ أكثر من 25 عاماً، كما شغل العديد من المواقع والمناصب الأكاديمية والطبية والإدارية، منها رئيس الاتحاد الأفريقى لدراسة أمراض الكبد، مؤسس ورئيس جمعية أصدقاء مرضى الكبد فى الوطن العربى، رئيس اللجنة القومية المتخصصة لدارسة أمراض الكبد بأكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا، المشرف العام على معهد الكبد بالمنوفية، نائب رئيس الجمعية الطبية المصرية، رئيس أقسام الأمراض الباطنية بجامعة عين شمس، عضو الاتحاد الدولى لدراسة أمراض الكبد، رئيس الجمعية المصرية للجهاز الهضمى، رئيس لجنة الكبد فى المجالس القومية المتخصصة، عضو شرف الجمعية السودانية للأمراض الباطنية.

أما إنجازاته العلمية فلا تُحصى ولا تُعد، حيث قام بإنشاء وحدة متخصصة بكلية طب عين شمس لدراسة أورام الكبد ودراسة سبل علاجها كيميائياً، وقام بدراسة دور الفيروسات فى الإصابة بسرطان الكبد، وقام بدراسة الفيروسات التى تصيب الكبد، وتمكَّن من خلال أبحاثه من الكشف عن فيروس من بين الفيروسات المعروفة على مستوى العالم بدورها فى الإصابة بسرطان الكبد.

يُعتبر أول من أدخل المناظير للكشف والفحوصات، كما أسهم فى إدخال تطعيم ضد التهاب الكبد الفيروسى (ب) فى مصر، وأنشأ 20 وحدة كبد بمستشفيات المحافظات على مستوى جمهورية مصر العربية.

«يس عبدالغفار» وأمثاله العلماء الأجلاء هم المصابيح التى تنير الطريق للبشرية، وبهم تستمر الحياة على وجه الأرض وتتقدم الدول.

رحم الله عالمنا الجليل «يس عبدالغفار» نظير ما قدّم لبلده وللإنسانية، وبارك الله فى تلاميذه الذين يواصلون مسيرته وفى كل علمائنا الأجلاء فى جميع المجالات.